إن الناظر للفتن التي حوله والمصائب التي تصاب بها الشعوب الأخرى ليشكر الله تعالى على نعمته؛ ويحمده جل وعلا على منته، ونحن ولله الحمد والمنة نعيش في أمن وأمان، ورغد عيش، فعلينا أن نشكر المسدي لهذه النعم، سبحانه وتعالى، وأن نستعين بها على عبادته، وأن نستجيب لأمره، وأن ننتهي عما نهانا عنه، وأن ننفق في سبيله ما يرضى به عنا، ويصرف عنا مصارع السوء، وشدائد الأيام، وقد أمر ربنا جل وعلا بفعل الخير، وبذل المعروف، في كثير من آيات كتابه، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج:77]، وقال: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:195].
وأوصانا نبينا صلى الله عليه وسلم بهذا العمل العظيم كي نقوم به، وننال بفضل الله تعالى أثره في حياتنا، يقول صلى الله عليه وسلم: «صَنائعُ المعروفِ تَقِي مَصارعَ السُّوءِ، والصَّدَقةُ خَفِيًّا تُطفئُ غضبَ الرَّبِّ، وصِلةُ الرَّحِمِ زيادةٌ في العُمُرِ، وكلُّ معروفٍ صدَقةٌ، وأهلُ المعروفِ في الدُّنيا هُمْ أهلُ المعروفِ في الآخِرةِ، وأهلُ المُنكَرِ في الدُّنيا هُمْ أهلُ المُنكَرِ في الآخِرةِ» [رواه الطبراني في الأوسط (6086)وصححه الألباني].
فصنائع المعروف وبذل الخير للناس طريق النجاة والخلاص من مصارع السوء، فكم من مسلم نجاه الله من مواقف عصيبة، وشداد كئيبة، بسبب فعله للخير، فحفظ الله عليه ماله من الضياع والسرقة والتلف بسبب إحسانه، وكشف الله عنه ضره، وعافاه من مرضه بسبب معروفه للناس، وحفظ الله عليه أولاده وأهله من المهلكات بسبب نفعه للناس.
ومن أعظم صفات المعروف بذل الندى، والسعي في حاجات المسلمين، ومد يد العون لكل محتاج ضعيف، والشفاعة لمن ليس له سند بعد الله ولا ظهير، وغير ذلك من الأعمال كثير. ووعد جل وعلا عبده المؤمن بكل معروف يبذله لإخوانه أنه سيجازيه عليه، بتفريج همومه وتيسير أموره في الدنيا، والعطاء الواسع الجزيل في الآخرة.
عباد الله: إنَّ فعل الخير، وبذل المعروف، وإسداءه للخلق، لهو من أحبِّ الأعمال إلى الله عزَّ وجلَّ، ويقي به الله تعالى عبده من مصارع السُّوء في الدُّنيا، يقول صلى الله عليه وسلم: «صدقة السر تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر، وفعل المعروف يقي مصارع السوء» [رواه البيهقي، وصححه الألباني]. واسألوا إن شئتم أهل الإحسان والمعروف ليخبروكم عن السعادة والراحة التي يتقلبون فيها، وعطاءِ الله لهم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
وعن ابن عمر أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أي الناس أحب إلى الله؟ وأي الأعمال أحب إلى الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحب الناس إلى الله -عز وجل- أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخ لي في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد شهرًا»، في مسجد المدينة! [رواه ابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج، وحسّن الألباني إسناده في الصحيحة].
قال عمرو بن العاص رضي الله عنه: في كلِّ شيءٍ سَرفٌ، إلا في إتيان مَكرمةٍ، أو اصطناع معروفٍ، أو إظهار مروءةٍ. وقد قيل: اصنع المعروف إلى كلِّ أحدٍ، فإن كان من أهله فقد وضعته في موضعه، وإن لم يكن من أهله كنتَ أنتَ أهلَه.
أقول قولي هذا وأستغفر الله فاستغفروه يغفر لكم؛ إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
قال صلى الله عليه وسلم: «وكُلُّ مَعْروفٍ صَدَقةٌ»، وهذا من فضل الله علينا أن وسع لنا دائرة المعروف، فليس المعروف فقط في جانب المال، بل كل خير تفعله للناس فهو معروف، (وأهْلُ المعْروفِ في الدُّنيا هُم أهْلُ المعْروفِ في الآخِرةِ)، وهذا تَنْويهٌ عَظيمٌ بفَضلِ المعْروفِ وأهْلِهِ، فأهْلُ المعْروفِ، وأهْلُ الإحْسانِ في الدُّنيا هُم أهْلُ الجَزاءِ الحَسَنِ الَّذي يُعرَفُ لهم عِندَ اللهِ تَعالى، (وأهْلُ المنكَرِ في الدُّنيا هُم أهْلُ المنكَرِ في الآخِرةِ)، والمعْنى أنَّ أصْحابَ الأعْمالِ المنكَرةِ في الدُّنيا، وأهْلَ التَّكْذيبِ باللهِ ورُسُلِهِ في الدُّنيا يكونون هُم أهْلُ العَذابِ المنكَرِ والوَبالِ في الآخِرةِ والعياذ بالله.
كذا ينبهنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى أمر مهم وهو قوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «من صُنعَ إليهِ معروفٌ فقالَ لفاعلهِ جزاكَ اللَّهُ خيرًا فقد أبلغَ في الثَّناءِ» [ابن حجر العسقلاني – تخريج مشكاة المصابيح: 3/222 وقال: حسن كما قال في المقدمة، وأخرجه الترمذي (2035)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (10008)].
فالإسلامُ يا عباد الله دِينُ الأخلاقِ العاليةِ، ومِن ذلك: أنَّه أمَرَ برَدِّ المعروفِ بالمعروفِ، وأنْ نُكافِئَ أهلَه، فإنْ قصَّرْنا عن المكافَأَةِ، فلا أقَلَّ من الشُّكرِ والدُّعاءِ.
ومعنى: (جَزاكَ اللهُ خَيرًا)، أي: أعطاك اللهُ خَيرَ الجَزاءِ، أو أعطاك مِن خَيرَيِ الدُّنيا والآخِرَةِ، وقوله: (فقد أبلَغَ في الثَّناءِ)، أي: بالَغَ في أداءِ شُكرِه؛ وذلك أنَّه اعتَرَفَ بالتَّقصيرِ، وأنَّه ممَّن عَجَزَ عن جَزائِه وثَنائِه، ففوَّضَ جَزاءَه إلى اللهِ؛ لِيَجزِيَه الجَزاءَ الأوفى.
هذا وصلوا وسلموا على الحبيب المصطفى، فقد أمركم الله بذلك فقال جل من قائل عليمًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:56].