خطبة أمانة وشهادة

     قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:72]، والمقصود بالآية: جميع معاني الأمانات في الدين وأمانات الناس وذلك أن الله لم يخص بقوله (عَرَضْنَا الأمَانَةَ) بعض معاني الأمانات بل هي شاملة لكل معاني الأمانة. [جامع التأويل للطبري بتصرف].

     وفي هذه الأيام أيام الانتخابات اعلم يا عبدالله بأن صوتك أمانة، والله جل وعلا أمرنا أن نؤدي الأمانة بحقها فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾ [النساء:58]، وحذرنا جل وعلا من خيانة الأمانة فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال:27]، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أدِّ الأمانةَ إلى منِ ائتمنكَ، ولا تخنْ من خانكَ» [صحيح أبي داود (3534)]، بل قد عد صلى الله عليه وسلم تضييع الأمانة من علامات الساعة فقال: «إذا ضُيِّعَتِ الأمانَةُ فانْتَظِرِ السَّاعَةَ» قالَ: كيفَ إضاعَتُها يا رَسولَ اللَّهِ؟ قالَ: «إذا أُسْنِدَ الأمْرُ إلى غيرِ أهْلِهِ فانْتَظِرِ السَّاعَةَ» [رواه البخاري (6496)]، فوضعُ علامة صحٍ أما المرشح الفلاني هي أداء للأمانة التي تحملتها يا عبدالله، فلتؤدها بحقها.

أدِّ الأمانةَ والخيانةَ فاجتنبْ *** واعدلْ ولا تظلمْ يَطيب المكسبُ

     فمن أدى الأمانة استحق من اللّه الثواب الجزيل، ومن لم يؤدها بل خانها استحق العقاب الوبيل، وصار خائنا للّه وللرسول ولأمانته، مُنقصا لنفسه بكونه اتصفت نفسه بأخس الصفات، وأقبح الشيات، وهي الخيانة، مُفوتا لها أكمل الصفات وأتمها، وهي الأمانة‏.‏ [تيسير الكريم الرحمن].

     واعلم يا عبدالله بأن صوتك شهادة كذلك، لأنك قد شهدت لهذا المرشح بأنه الأحق والأصلح في تولي هذا المنصب، والصوت إما شهادة بحق أو باطل والعياذ بالله، وصوت الباطل داخل في شهادة الزور التي حذر منها جل وعلا فقال: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان:72]، وشهادة الزور داخلة في قول الزور تدخل في هذه الآية بالأولوية [تيسير الكريم الرحمن]، وثبت في الصحيحين عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر» ثلاثًا، قلنا: بلى، يا رسول الله، قال: «الشرك بالله، وعقوق الوالدين». وكان متكئًا فجلس، فقال: «ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور ألا وقول الزور وشهادة الزور». فما زال يكررها، حتى قلنا: ليته سكت.

     وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بأكبرِ الكبائرِ وأعظمِها، وهي الإشراكُ بِاللهِ، وهو نوعانِ؛ أحدُهما: أنْ يَجعَلَ العبدُ للهِ نِدًّا ويَعبُدَ غيرَه؛ مِن حَجرٍ أو شَجَرٍ أو غيرِ ذلك، والثَّاني: هو الشِّركُ الخَفِيُّ، وهو الرِّياءُ، وهو: ما يَتسرَّبُ إلى أعمالِ القُلوبِ وخَفايا النُّفوسِ، وهذا لا يَطَّلِعُ عليه إلَّا علَّامُ الغُيوبِ.

     «وعُقوقُ الوالدَيْنِ» وهو الإساءةُ إليهما وعدَمُ الوفاءِ بحَقِّهما، وكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُتَّكِئًا، فاعتَدَل صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في جِلْسَتِه للتَّنبيهِ على أهميَّةِ ما يقولُ والتحذيرِ منه، وقال: «ألَا وقوْلُ الزُّورِ»، والزُّورُ: هو الباطلُ، ويَشمَلُ الكَذِبَ في القَولِ والشَّهاداتِ وغيرِها، وظَلَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُكرِّرُها حتَّى قال أصحابُه في أُنفسِهم: «لَيتَه سَكتَ»؛ لِمَا حَصلَ لهم مِنَ الخوفِ، أو شَفَقةً عليه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وكراهيةً لِما يُزعِجُه. [شرح درر السنية].

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم.

الخطبة الثانية:

     إن الوطن أمانة في أعناقنا فلنختر من يقوم بحقه ممن نرضى دينه وأمانته وقوته وكفاءته، فهذه أمانة لابد أن نؤديها بحقها، وشهادة ستكتب ونحاسب عليها يوم القيامة أمام الله جل وعلا، قال تعالى: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف:19]، فلنُحسن الاختيار لما فيه مصلحة ديننا ودنيانا.

     هذا وصلوا وسلموا على المبعوث رحمة للعالمين، فقد أمركم ربكم بذلك فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:56]، فصل اللهم عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه وسلم تسليمًا كثيرًا، واحشرنا اللهم في زمرته، واسقنا يا ربنا من كفه الشريف شربة لانظمأ بعدها أبدًا، واغفر لنا أجمعين… اللهم ول علينا خيارنا ولاتول علينا شرارنا يا رب العالين.