خطبة أسباب العصمة من الشيطان

     الحمد لله الذي أعظم على عباده المنة، بما دفع عنهم كيد الشيطان وخيّب ظنه، وأشهد أن لا إله إلا الله جعل الاستقامة حصنًا للمؤمنين وجُنّة، وفتح لهم أبواب الجنة، وعرّفهم أن وسيلة الشيطان إلى قلوبهم الشهواتُ المستكنة، وأن بقمعها تُصبح النفس مطمئنة، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، قائدُ الحق ومُمهد السنة، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ما تجددت علينا نعمة ومنة، وسلم تسليمًا كثيرًا.

     وبعد: فأوصي نفسي وإياكم بما أوصانا الله عز وجل به فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:102].

     عباد الله: نسمع هذه الأيام ونحن لازلنا في شهر الله الحرام عن قتل، وطعن، ومصائب عظام، عافانا الله وإياكم منها، والمسلم عندما يسمع مثل هذه الأمور يتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من رأى مبتلًى فقال: الحمدُ للهِ الذي عافاني مما ابتلاكَ به، و فضَّلني على كثيرٍ ممن خلق تفضيلًا، لم يُصِبْهُ ذلك البلاءُ» [الصحيحة (2737)].

     وإن هذه الأمور لمن سعادة الشيطان، وفرحه، وأُنسه، فهو لايرتاح حتى يُفسد بين الناس، ويُقطع علاقاتهم، ويدمر بيوتهم، وعائلاتهم.

     قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أصبحَ إبليسُ بثّ جنودهُ، فيقول: من أضلَ اليومَ مسلما ألبستُهُ التاجَ، قال: فيخرجُ هذا – أي أحد الشياطين – فيقول: لم أزلْ به حتى طلّقَ امرأتهُ، فيقول – أي إبليس –: أوشكَ أن يتزوجَ. ويجيء هذا – أي شيطان آخر- فيقول: لم أزلْ به حتى عقَّ والديهِ، فيقول: يوشكُ أن يَبرهُما، ويجِيء هذا – أي شيطان ثالث – فيقول: لم أَزلْ به حتى أَشرك، فيقول – أي إبليس –: أنْتَ أنْتَ، ويجيء هذا فيقولُ: لم أزلْ به حتى قتلَ. فيقول – أي إبليس –: أنت أنت ويلبسهُ التاجَ» [الصحيحة (1280)].

     لذا كان لابد للعبد يا عباد الله من أن يحرص على أسباب العصمة من الشيطان، والتي منها: الاستعاذةُ باللهِ من الشيطانِ. قالَ تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت:36]. ومنها: قراءة المعوذتين (الفلق، الناس) قالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا تَعَوَّذَ الْمُتَعَوِّذُونَ بِمِثْلِهِمَا». ومن أسباب العصمة من الشيطان: قراءةُ آيةِ الكُرْسِيِّ، ففي الحديث: «إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ، فَإِنَّهُ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللهِ حَافِظٌ ولا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ».

     ومنها: قراءةُ سورةِ البقرةِ، ففي الصحيحِ: «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَإنَّ الْبَيْتَ الذي تُقْرَأُ فِيهِ الْبَقَرَةُ لَا يَدْخُلُهُ الشَّيْطَانُ».

     ومنها: قِراءةُ خاتِمَةِ سورةِ البقرةِ، فقد ثَبَتَ في الصحيحِ: «مَنْ قَرَأَ الْآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ». وهي: آمن الرسول إلى نهاية البقرة.

     ومنها: قول: لا إلهَ إلا اللهُ وحْدَه لَا شَريكَ له، له الْمُلْكُ وله الْحَمْدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ مائةَ مرَّةٍ. ففي الحديث: «وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ».

     ومن أسباب العصمة من الشيطان: كثرة ذكر الله عز وجل وفي الحديث: «وأَمَرَكُم أن تَذْكُروا اللهَ؛ فإنَّ مَثَلَ ذلك كمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ العدُوُّ في أَثَرِه سِراعًا حتى أَتَى على حِصْنٍ حَصينٍ فأَحْرَزَ نفسَه منه، كذلك العَبْدُ لا يَحْرُزُ نفسَه من الشيطانِ إلا بذِكْرِ اللهِ».

     فذكر الله عز وجل هو الحصن الحصين ضد ألد عدو للمسلمين، ألا وهو الشيطان الرجيم.

     ومن الأسباب كذلك: الوُضوءُ والصلاةُ… فما أَطفأَ العبْدُ جَمرةَ الغضَبِ والشهوةِ بِمِثلِ الوُضوءِ والصلاةِ، فإنها نارٌ والوُضوءُ يُطفِئُها، والصلاةُ إذا وَقَعَتْ بخشوعِها والإقبالِ فيها على اللهِ أَذْهَبَتْ أَثَرَ ذلك كلِّه، وهذا أَمْرٌ تَجْرِبَتُه تُغْنِي عن إقامةِ الدليلِ عليه، قال تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:45].

     فاحرصوا يا رعاكم الله على هذه الأذكار وغيرها مما ورد عنه صلى الله عليه وسلم، حتى تطردوا عنكم الشيطان، وتفوزوا برضا الرحمن جل وعلا.        أقول…

الخطبة الثانية:

     من أسباب العصمة من الشيطان: أن يُمسك العبدعن فضولِ النظَرِ، والكلامِ، والطعامِ، ومُخالَطَةِ الناسِ، فإنَّ الشيطانَ إنما يَتَسَلَّطُ على ابنِ آدمَ، ويَنالُ منه غَرَضَه من هذه الأبوابِ الأربعةِ.

     فالنظرة الثانية عليك لا لك، قال صلى الله عليه وسلم: «يا عليُّ لا تُتبعِ النَّظرةَ النَّظرةَ، فإنَّ لَكَ الأولى وليسَت لَكَ الآخرَةُ» [صحيح أبي داود (2149)]. والنظرة سهم من سهام إبليس، قال الشاعر:

كل الحــــــــــــــــــوادث مبداها من النظر ***        ومعظم النـــــــــــار من مستصغر الشرر

كم نظرة فتكت في قلب صاحبهـــــــــــــا  ***        فتك السهـــــــــــــــــــام بلا قوس ولا وتر

والمرء ما دام ذا عين يقلبهـــــــــــــــــــا   ***        في أعين الغيد موقــــــــــوف على الخطر

يسر مقلته ما ضر مهجتــــــــــــــــــــــــه ***        لا مرحبا بسرور عــــــــــــــــــاد بالضرر

 [روضة المحبين لابن القيم ص (97)].

     والكلام بلا حاجة يوقع في المعاصي الغيبة والنميمة والكذب والغش وغيرها، قال معاذ رضي الله عنه: يا نبيَّ اللَّهِ، وإنَّا لمؤاخَذونَ بما نتَكَلَّمُ بِهِ؟ فقالَ – صلى الله عليه وسلم -: ثَكِلَتكَ أمُّكَ يا معاذُ، وَهَل يَكُبُّ النَّاسَ في النَّارِ على وجوهِهِم أو على مَناخرِهِم إلَّا حَصائدُ ألسنتِهِم». [صحيح الترمذي (2616)].

     والإكثار من الطعام يثير شهوات النفس، قال صلى الله عليه وسلم: «ما ملأَ آدميٌّ وعاءً شرًّا مِن بطنٍ، بحسبِ ابنِ آدمَ أُكُلاتٌ يُقمنَ صُلبَهُ، فإن كانَ لا محالةَ فثُلثٌ لطعامِهِ وثُلثٌ لشرابِهِ وثُلثٌ لنفَسِهِ» [صحيح الترمذي (2380)].

     ووصَفَه صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم بالشَّرِّ؛ لأنَّه إذا ما امتلَأ أفْضَى إلى الفَسادِ في دِينِ المرءِ ودُنياه. [شرح موقع الدرر السنية].

     وكثرة مخالطة الناس تؤدي إلى الاهتمام بما يريدون ونسيان ما يريده الله منك يا عبدالله، وما أنت محاسب عليه، فتنشغل نَفسُك بهم بدلا من أن تنشغل بالله والدار الآخرة، والضابط النافع في أمر الخلطة: أن يُخالط العبدُ الناسَ في الخير كالجمعة والجماعة، والأعياد والحج، وتعلم العلم، والجهاد، والنصيحة، ويعتزلهم في الشر وفضول المباحات.

     وإن دعت الحاجة إلى خلطتهم في فضول المباحات، فليجتهد أن يَقلب ذلك المجلس طاعة لله إن أمكنه. [مفسدات القلب لابن القيم بتصرف].

اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك يا رب العالمين…