خطبة أتاكم شهر رمضان

     قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتاكم شهرُ رمضانَ، شهرٌ مبارَكٌ، فرض اللهُ عليكم صيامَه، تفتحُ فيه أبوابُ الجنَّةِ، وتُغلَق فيه أبوابُ الجحيم، وتُغَلُّ فيه مَرَدَةُ الشياطينِ، وفيه ليلةٌ هي خيرٌ من ألف شهرٍ، من حُرِمَ خيرَها فقد حُرِمَ» [رواه النسائي (4/129) وصححه الألباني].

     عباد الله أنْعَمَ اللهُ عزَّ وجلَّ على عِبادِهِ بمَواسِمَ مِن الخيراتِ، يَحصُلون فيها بسَببِ الأعمالِ الصَّالحةِ القَليلةِ على الثَّوابِ الكَثيرِ مِن عندِ اللهِ عزَّ وجلَّ، ومِن نِعَمِه سُبحانَه أيضًا أنْ سَخَّرَ اللهُ لهم مِن الأسبابِ ما يُعينُهُم على أدائِها على الوجْهِ الأكْمَلِ لها، وشهْرُ رمضانَ من أعظم تِلكَ المواسِمِ الفاضِلَة.

     وفي هذا الحَديثِ يقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «أتاكم شهرُ رمضانَ» أي: جاءَتْكُم أيامُ شَهرِ رَمضانَ، «شهرٌ مبارَكٌ» فيكْثُرُ الخيْرُ فيه، وهذا إخْبارٌ بكثْرَةِ خيْرِهِ الحِسيِّ والمَعْنويِّ، وقد يكونَ دعاءً نت النبي صلى الله عليه وسلم أي: جَعَلَهُ اللهُ مُباركًا.

«فرض اللهُ عليكم صيامَه» فقدْ أوْجَبَه اللهُ بقولِه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:183]، «تفتحُ فيه أبوابُ الجنَّةِ، وتُغلَق فيه أبوابُ الجحيم» والفَتحُ والغَلْقُ حَقيقةً إكْرامًا مِن اللهِ لعِبادِهِ في هذا الشَّهرِ، بل إن بعض العلماء قال: إنَّ غَلْقَ أبوابِ النَّارِ مَعناهُ مَزيدٌ لِغَلْقِ كلِّ مَسلَكٍ مِن مَسالِكِ الشَّرِّ، وإنَّ فَتْحَ أبوابِ الجنَّةِ هو مَزيدٌ لفَتْحِ كلِّ مَسلَكٍ مِن مَسالِكِ الخيرِ، «وتُغَلُّ فيه مَرَدَةُ الشياطينِ» أي: تُشَدُّ الأغلالُ والسَّلاسِلُ على مَرَدَةِ الجِنِّ، وهم رُؤساءُ الشَّياطينِ أو هُمُ العُتاةُ الشِّدادُ مِن الجِنِّ، والحِكمةُ من تَغْليلِهِم حتَّى لا يَعمَلوا بالوَساوِسِ للصَّائِمينَ ويُفسِدوا عليهم صَوْمَهُم، «وفيه ليلةٌ هي خيرٌ من ألف شهرٍ» وهي ليْلَةُ القَدْرِ، العَمَلَ فيها أفْضَلُ من العَمَلِ في أَلْفِ شَهْرٍ ليس فيها ليلَةُ القَدْرِ، «من حُرِمَ خيرَها فقد حُرِمَ» مَنْ مُنِعَ خَيْرَها بأنْ لم يُوَفَّقْ لإحْيائِها، والعِبادَةِ فيها، فقد مُنِعَ الخيْرَ كلَّه، والمرادُ حِرمانُ الثوابِ الكامِلِ أو الغُفرانِ الشامِلِ الذي يَفوزُ به القائِمُ في إحياءِ ليْلِها، وهذا دَلالةٌ على عظم الجَزاءِ. [شرح موقع درر بتصرف].

بَادِر الْفُرْصَةَ وَاحْذَرْ فَوْتَهَـــــــــــــــا       ***        فَبُلُــــــــــــــوغُ الْعِزِّ في نَيْلِ الْفُرَصْ

وَاغْتَنِمْ عُمْرَكَ إِبَّـــــــــــــــانَ الصِّبَـــــا    ***        فَهْــــــــــــوَ إِنْ زَادَ مَعَ الشَّيْبِ نَقَصْ

إِنَّمَا الدُّنْيَا خَيَـــالٌ عَــــــــــــــــــــارِضٌ    ***        قَلَّمَا يَبْقَى وَأَخْبَـــــــــــــــــــارٌ تُقَصْ

فابْتَدِرْ مَسْعَــــــــــــــــــاكَ وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ    ***        بَادَرَ الصَّيْــــــدَ مَعَ الْفَجْــــــرِ قَنَصْ

     فيا لها من نعمة عظيمة يغفل عنها الكثيرون، عباد الله ها نحن نرفل بنعم الله عز وجل يأتينا شهر رمضان ونحن في أمن وغذاء وصحة وغيرها، ولله الحمد والمنة، بل إن الموائد لتفيض من الأكل فيزداد ويُلقى في القمامة من كثرته وإنا لله وإنا إليه راجعون!

     ألا نتذكر هذه النعمة ونعتبر؟! وننظر لإخواننا الذين سُلبوا من نعمة الأمن والغذاء، يمر عليهم رمضان وهم محاصرون ويُقذفون من كل جانب، ولايجدون مأوى يأويهم ولا طعامًا يُشبعهم ويُغذِّيهم، فأنى لمثل هذا أن يتذكر نعمة مجيء رمضان؟!

     بل إن أحدهم قال نحتاج لفتوى في جواز أن نُفطر في شهر رمضان لأنا لانجد مانأكل والله المستعان!

     ألا يدعونا هذا إلى أن ننصرهم بكل غال ونفيس؟ وأن نحمد الله عز وجل ونشكره على ما أنعم به علينا؟ وأن لانُسرف فنُعذب بإسرافنا؟! والإسراف هو: مجاوزة الحد في استهلاك المباحات.

      والإسراف والتبذير من الأمور المذمومة شرعًا، قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام:141]، وقال تعالى: ﴿وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء:26-27]. قال الشيخ السعدي رحمه الله: لأن الشيطان لا يدعو إلا إلى كل خصلة ذميمة، فيدعو الإنسان إلى البخل والإمساك فإذا عصاه، دعاه إلى الإسراف والتبذير. والله تعالى إنما يأمر بأعدل الأمور وأقسطها ويمدح عليه، كما في قوله عن عباد الرحمن الأبرار: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾. [تيسير الكريم الرحمن].

فاللهم لاتجعلنا من المسرفين يا رب العالمين

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

     قال جل وعلا: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ [قريش:3-4]، قال الإمام ابن كثير رحمه الله: من استجاب لهذا الأمر – أي لعبادة الله تعالى – جمع الله له بين أمن الدنيا وأمن الآخرة، ومن عصاه سلبهما منه. [تفسير القرآن العظيم]. والعياذ بالله تعالى، وقال صلى الله عليه وسلم: «قال اللهُ عزَّ وجلَّ: وعِزَّتي وجَلالي، لا أجمَعُ على عَبدي خَوفينِ، ولا أجمَعُ له أمنَينِ؛ إنْ أمِنَني في الدُّنيا أخَفْتُه يومَ القيامةِ، وإنْ خافَني في الدُّنيا، أمَّنْتُه يومَ القيامةِ» [رواه البزار واللفظ له وابن حبان وحسنه الأرناؤوط في منهاج القاصدين وانظر الصحيحة (2666)].

     فطاعة الله واجبة والخوف منه والرجاء به واجب وعلى المسلم السعي في مرضاته جل وعلا، والحذر من معصيته وعدم طاعته.

     ربِّ أعِنّا ولا تُعِنْ علَينا وانصُرْنا ولا تنصُرْ علَينا وامكُرْ لنا ولا تمكُرْ علَينا واهدِنا ويسِّرِ الهُدى لنا وانصُرْنا على مَن بغا علَينا، ربِّ اجعَلْنا لكَ شاكرين لكَ ذاكرين لكَ أوَّاهين لكَ مِطواعين لكَ مُخبِتين أوَّاهين مُنيبين ربِّ تقبَّلْ تَوْبتنا واغسِلْ حَوْبتنا وأجِبْ دَعْوتنا وثبِّتْ حُجَّتنا واهدِ قلوبنا وسدِّدْ لساننا واسلُلْ سخيمةَ قلوبنا.