خطبة من نسمات الحج (3)

    روى البيهقي رحمه الله في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا قال: «لمَّا أَتَى إبراهيمُ خَلِيلُ اللهِ المَناسِكَ عرضَ لهُ الشَّيْطَانُ عندَ جَمْرَةِ العقبةَ، فَرَماهُ بِسبعِ حصياتٍ حتى ساخَ في الأرضِ، ثُمَّ عرضَ لهُ عندَ الجمرةِ الثانيةِ، فَرَماهُ بِسبعِ حصياتٍ حتى ساخَ في الأرضِ، ثُمَّ عرضَ لهُ عِنْدِ الجمرةِ الثالثةِ، فَرَماهُ بِسبعِ حصياتٍ حتى ساخَ في الأرضِ». قال ابْنُ عباسٍ: الشيطانَ تَرْجُمُونِ، ومِلَّةَ أَبيكُمْ إبراهيمَ تَتَّبِعُونَ. [ورواه الحاكم في المستدرك مرفوعًا وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه].

     وعلى هذا فذكر الله الذي يُشرع الرمي لإقامته، هو الاقتداء بإبراهيم في عداوة الشيطان، ورميه، وعدم الانقياد إليه، والله يقول: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ [الممتحنة:4]، فكأن الرمي رمزٌ وإشارةٌ إلى عداوة الشيطان التي أَمَرنا اللهُ بها في قوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر:6]، وقولِه مُنكرًا على من والاه: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ [الكهف:50]، ومعلوم أن الرجم بالحجارة من أكبر مظاهر العداوة. [أضواء البيان للشنقيطي-سورة الحج-وأذن في الناس بالحج- المسألة الحادية عشر بتصرف].

     والشيطان يا عباد الله لايرتاح حتى يُفسد بين الناس، ويُقطع علاقاتهم، ويُدمر بيوتهم، وعائلاتهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أصبحَ إبليسُ بثّ جنودهُ، فيقول: من أضلَ اليومَ مسلما ألبستُهُ التاجَ، قال: فيخرجُ هذا – أي أحد الشياطين – فيقول: لم أزلْ به حتى طلّقَ امرأتهُ، فيقول – أي إبليس –: أوشكَ أن يتزوجَ. ويجيء هذا – أي شيطان آخر- فيقول: لم أزلْ به حتى عقَّ والديهِ، فيقول: يوشكُ أن يَبرهُما، ويجِيء هذا – أي شيطان ثالث – فيقول: لم أَزلْ به حتى أَشرك، فيقول – أي إبليس –: أنْتَ أنْتَ، ويجيء هذا فيقولُ: لم أزلْ به حتى قتلَ. فيقول – أي إبليس –: أنت أنت ويُلبسهُ التاجَ» [الصحيحة (1280)].

     وقد توعد الشيطان بأن يغوي ابن آدم عن طريق الحق فقد ذكر لنا تعالى ما قاله الشيطان: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ﴾ [ص:82]، قال صلى الله عليه وسلم: «إنَّ إبليسَ قال لربِّه عزَّ وجلَّ: وعزِّتِكَ وجَلالِكَ لا أَبرَحُ أُغْوي بَني آدَمَ ما دامتِ الأرواحُ فيهم، فقال له ربُّه عزَّ وجلَّ: فبعِزَّتي وجَلالي لا أَبرَحُ أَغفِرُ لهم ما استَغفَروني». [رواه أحمد حسنه الأرناؤوط]، لذا كان لابد للعبد يا عباد الله من أن يحرص على أسباب العصمة من الشيطان، والتي منها: الاستعاذةُ باللهِ من الشيطانِ. قالَ تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت:36]. ومنها: قراءة المعوذتين (الفلق، الناس) قالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا تَعَوَّذَ الْمُتَعَوِّذُونَ بِمِثْلِهِمَا». ومن أسباب العصمة من الشيطان: قراءةُ آيةِ الكُرْسِيِّ، ففي الحديث: «إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ، فَإِنَّهُ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللهِ حَافِظٌ ولا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ».

     ومنها: قراءةُ سورةِ البقرةِ، قال عليه الصلاة والسلام: «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَإنَّ الْبَيْتَ الذي تُقْرَأُ فِيهِ الْبَقَرَةُ لَا يَدْخُلُهُ الشَّيْطَانُ».

     ومنها: قِراءةُ خاتِمَةِ سورةِ البقرةِ، قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَرَأَ الْآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ». وهي: ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ [البقرة:285]، إلى نهاية البقرة.

     ومنها: قول: لا إلهَ إلا اللهُ وحْدَه لَا شَريكَ له، له الْمُلْكُ وله الْحَمْدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ مائةَ مرَّةٍ. ففي الحديث: «وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ».                          أقول قولي هذا…

الخطبة الثانية:

     من أسباب العصمة من الشيطان: كثرة ذكر الله عز وجل وفي الحديث: «وأَمَرَكُم أن تَذْكُروا اللهَ؛ فإنَّ مَثَلَ ذلك كمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ العدُوُّ في أَثَرِه سِراعًا حتى أَتَى على حِصْنٍ حَصينٍ فأَحْرَزَ نفسَه منه، كذلك العَبْدُ لا يَحْرُزُ نفسَه من الشيطانِ إلا بذِكْرِ اللهِ»، فذكر الله عز وجل هو الحصن الحصين ضد ألد عدو للمسلمين، ألا وهو الشيطان الرجيم.

     ومن الأسباب كذلك: الوُضوءُ والصلاةُ… فما أَطفأَ العبْدُ جَمرةَ الغضَبِ والشهوةِ بِمِثلِ الوُضوءِ والصلاةِ، فإنها نارٌ والوُضوءُ يُطفِئُها، والصلاةُ إذا وَقَعَتْ بخشوعِها والإقبالِ فيها على اللهِ أَذْهَبَتْ أَثَرَ ذلك كلِّه، وهذا أَمْرٌ تَجْرِبَتُه تُغْنِي عن إقامةِ الدليلِ عليه، قال تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:45].

     فاحرصوا يا رعاكم الله على هذه الأذكار وغيرها مما ورد عنه صلى الله عليه وسلم، حتى تطردوا عنكم الشيطان، وتفوزوا برضا الرحمن جل وعلا.       

والشيطانَ تَرْجُمُونِ، ومِلَّةَ أَبيكُمْ إبراهيمَ تَتَّبِعُونَ.