قَالِ إبراهيم عليه السلام: «يَا إِسْماعِيلُ إِنَّ اللَّه أَمرني بِأَمْرٍ، قَال: فَاصْنِعْ مَا أَمركَ ربُّكَ؟ قَال: وتُعِينُني، قَال: وأُعِينُكَ، قَالَ: فَإِنَّ اللَّه أَمرنِي أَنْ أَبْني بيْتًا ههُنَا، وأَشَار إِلى أَكَمَةٍ مُرْتَفِعةٍ عَلَى مَا حَوْلهَا، فَعِنْد ذَلِكَ رَفَعَ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبيْتِ، فَجَعَلَ إِسْماعِيل يَأتِي بِالحِجارَةِ، وَإبْراهِيمُ يبْني، حتَّى إِذا ارْتَفَعَ الْبِنَاءُ جَاءَ بِهَذا الحجرِ (يعني المقام) فَوضَعَهُ لَهُ فقامَ عَلَيْهِ، وَهُو يبْني وإسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الحِجَارَة وَهُما يقُولاَنِ: ﴿ربَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾». [رواه البخاري].
عبد الله إن التعاون مبدأ من مبادئ الإسلام وضرورة يحتاج لها كل إنسان، فها هو إبراهيم عليه السلام يطلب من ابنه إسماعيل عليه السلام أن يعاونه في بناء البيت الحرام، فعاونه حتى أتما البناء وطافا بالبيت الحرام وهما يسألان الله عز وجل القبول، ذو القرنين عندما أراد بناء السد تعاون مع أصحاب السد فقال الله على لسانه: ﴿قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما﴾ [الكهف:95]، وموسى عليه السلام عندما أراد أن يذهب ليدعو فرعون وقومه سأل الله تعالى أن يجعل أخاه هارون معينًا له على دعوته فقال: ﴿قال رب اشرح لي صدري* ويسر لي أمري* واحلل عقدة من لساني* يفقهوا قولي* واجعل لي وزيرًا من أهلي* هارون أخي* أشدد به أزري* وأشركه في أمري﴾ [طه:25-32]، والنبي صلى الله عليه وسلم تعاون مع أبي بكر رضي الله عنه في هجرته من مكة للمدينة، وتعاون مع الأنصار في إيوائهم ومقاسمتهم أموالهم وبيوتهم مع إخوانهم المهاجرين، وتعاون مع أصحابه في حفر الخندق، وسُئلت عَائِشَةَ رضي الله عنها: ما كانَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَصْنَعُ في بَيْتِهِ؟ قالَتْ: كانَ يَكونُ في مِهْنَةِ أهْلِهِ – تَعْنِي خِدْمَةَ أهْلِهِ – فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إلى الصَّلَاةِ. [رواه البخاري]، التعاون بين الزوج والزوجة والوالد وولده أمر ضروري لاستقرار البيت، فلا اتكال على أحد، الكل مُتعاون فيما يحتاجه البيت من بناء ونظافة وطعام وشراب ورعاية مريض وغيرها من أمور الحياة.
إن من طبيعة الفرد النقص ومحدودية الإنتاج والطاقة، لذلك فهو بحاجة إلى معونة إخوانه لكي يُكمل نقصه ويسد خلله، والمرءُ ضعيف بنفسه قوي بإخوانه، عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أنَّ فَتًى مِن أَسْلَمَ قالَ: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي أُرِيدُ الغَزْوَ وَليسَ مَعِي ما أَتَجَهَّزُ، قالَ: «ائْتِ فُلَانًا، فإنَّه قدْ كانَ تَجَهَّزَ، فَمَرِضَ»، فأتَاهُ، فَقالَ: إنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ، ويقولُ: أَعْطِنِي الذي تَجَهَّزْتَ به، قالَ: يا فُلَانَةُ، أَعْطِيهِ الذي تَجَهَّزْتُ به، وَلَا تَحْبِسِي عنْه شيئًا، فَوَاللَّهِ، لا تَحْبِسِي منه شيئًا، فيُبَارَكَ لَكِ فِيهِ. [رواه مسلم].
قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:2]، فالتعاون يا عباد الله يُشيع روح الأفة والمحبة بين المؤمنين، ويجعلهم كالجسد الواحد قال عليه الصلاة والسلام: «مَثَلُ المُؤْمِنِينَ في تَوادِّهِمْ، وتَراحُمِهِمْ، وتَعاطُفِهِمْ مَثَلُ الجَسَدِ إذا اشْتَكَى منه عُضْوٌ تَداعَى له سائِرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى» [رواه مسلم]، والتعاون علاج لمشكلة الملكات المهدرة، والطاقات المعطلة التي حال حُبُّ الذات والانعزالية دُون استثمارها في مصلحة الفرد والمجتمع. [الرائد للفريح بتصرف].
والتعاون مهم جدًا في الثبات على الحق قال جل وعلا: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:1-3].
بل إذا رأينا أحدًا من المسلمين على ذنب فمطلوب منا أن نُعاونه على تركه لا أن نجعله يستمر في هذا الذنب ويتمادى، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أُتِيَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ برَجُلٍ قدْ شَرِبَ، قَالَ: «اضْرِبُوهُ» – قَالَ أبو هُرَيْرَةَ: فَمِنَّا الضَّارِبُ بيَدِهِ، والضَّارِبُ بنَعْلِهِ، والضَّارِبُ بثَوْبِهِ- فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ بَعْضُ القَوْمِ: أخْزَاكَ اللَّهُ! قَالَ -صلى الله عليه وسلم -: «لا تَقُولوا هَكَذَا؛ لا تُعِينُوا عليه الشَّيْطَانَ» [رواه البخاري]، وفي رواية: «ولَكن قولوا اللَّهمَّ اغفر لَه اللَّهمَّ ارحمْهُ» [رواه أبوداود].
فلنتعاون يا عباد الله على ثباتنا على هذ الدين، ولنتعاون على نصرته ونصرة إخواننا في كل مكان، ولنتعاون على استقرار بيوتنا مع زوجاتنا وأولادنا، وعلى استقرار مجتمعنا وفي تنميته. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم…
الخطبة الثانية:
قال صلى الله عليه وسلم: «لقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ في الجَنَّةِ، في شَجَرَةٍ قَطَعَها مِن ظَهْرِ الطَّرِيقِ، كانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ» [رواه مسلم]، هذا أُدخل الجنة بغصن كان يمكن أن يؤذي المسلمين، فماذا لو تعاون مع إخوانه على إزالة تيارات الفساد والإفساد التي تُؤذي المسلمين في الليل والنهار، والتي أرْدت الكثير من أبناء المسلمين صرعى الشهوات والشبهات. [الرائد للفريح بتصرف].
إن الغرب جاء بغضه وغضيضه وبدأ يُكون مؤسسات إلحادية علنية تحارب هذا الدين، فانتبهوا يا عباد الله واحذروا منها وحذروا أولادكم منها فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، وجود نعمة الهاتف لاتعني أن تتركهم فريسة سهلة للأفكار المفسدة والهدامة، التي تهدم الدين والأخلاق، ﴿وقفوهم إنهم مسئولون﴾ [الصافات:24]، ومن صور التعاون ما قاله صلى الله عليه وسلم: «مَن نَفَّسَ عن مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِن كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللَّهُ عنْه كُرْبَةً مِن كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ، وَمَن يَسَّرَ علَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللَّهُ عليه في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَن سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللَّهُ في عَوْنِ العَبْدِ ما كانَ العَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ» [رواه مسلم]، فمعونة الله تعالى للمتعاونين من عباده، من نفس عن مؤمن كربة أعانه الله بتنفيس كربه، ومن يسر على مُعسر أعانه الله بتيسير أمره، ومن أعان مسلمًا بستره ستره الله، ويعينه الله في أموره إن أعان عبدًا من عباده.
بل إن محبة الله جل وعلا حُقت للمتعاونين قال عليه الصلاة والسلام: «قال اللهُ عزَّ وجلَّ: وَجَبَتْ مَحبَّتي للمُتحابِّينَ فيَّ، والمُتجالِسينَ فيَّ، والمُتزاوِرينَ فيَّ، والمُتباذِلينَ فيَّ» [رواه أحمد وصححه الأرناؤوط].
اللهم واجعلنا منهم يا رب العالمين.