خطبة من نسمات الحج (1)

     إن المسلم إذا دخل في أشهر الحج وهي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة تذكر آيات وعبر ونسمات منها:

     أن الله تعالى أمر إبراهيم عليه السلام أن يذهب بزوجته هاجر رضي الله عنها وابنهما إسماعيل عليه السلام إلى مكان البيت الحرام، وأن يتركهما هناك ويرجع، وامتثل إبراهيم عليه السلام لأمر ربه جل وعلا، فلما أصبح في مكان لا تراه فيه أم إسماعيل رفع يديه إلى السماء ودعا فقال: ﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم:37].

     وها هو البيت الحرام تهوي إليه أفئدة الملايين من الناس، وقد رزقه الله من الثمرات الشيء الكثير استجابة لدعوة إبراهيم عليه السلام.

     ومن دعائه عليه السلام كذلك ما ذكر الله عز وجل عنه بقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم:35]،

     ووصى أبناءه بالتوحيد والاستقامة: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:132].

     بل إن النبي صلى الله عليه وسلم هو ذاته من دعوة إبراهيم عليه السلام إذ قال ربنا جل وعلا على لسان إبراهيم عليه السلام: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [البقرة:129]، وقد استجاب الله عز وجل دعوته، وبعث في الأميين (العرب) رسولاً منهم، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:2]. فالله تعالى لما قضى أن يجعل محمدًا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، وأثبت ذلك في أم الكتاب، أنجز هذا القضاء بأن قيض إبراهيم عليه السلام للدعاء ليكون إرساله إياه بدعائه. [قاله البيهقي بتصرف].

     وقال نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك؟، قال: «نعم، أنا دعوة أبي إبراهيم، وبُشرى عيسى». [رواه أحمد والطبراني وابن حبان والحاكم].

     فهل دعوتَ الله يا عبدالله بأن يكون من ذريتك من ينفع المسلمين كما فعل إبراهيم عليه السلام؟

     هل حمدتَ الله تعالى على أبنائك الذين بين يديك كما فعل إبراهيم عليه السلام؟ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: 39].

      ولا يكتفي بهذا، بل إن دعاءه لا يقتصر على الدنيا بل يسبق الناس ويذهب إلى الآخرة: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم:41].

     وعندما انتهى إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام من بناء البيت الحرام دعيا الله تعالى فقال عنهما جل وعلا: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:127]، قالت عائشة رضي الله عنها: سألتُ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ عن هذِهِ الآيةِ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ قالت عائشةُ: أَهُمُ الَّذينَ يشربونَ الخمرَ ويسرِقونَ؟ قالَ: «لا يا بنتَ الصِّدِّيقِ، ولَكِنَّهمُ الَّذينَ يصومونَ ويصلُّونَ ويتصدَّقونَ، وَهُم يخافونَ أن لا تُقبَلَ منهُم ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾» [رواه الترمذي واللفظ له وابن ماجه].

    وكان عليه السلام ملازمًا للدعاء حتى في أحلك الظروف عندما ألقوه في النارِ، قال: حسبيَ اللهُ ونعمَ الوكيلِ فاستجابَ له ذو الفضلِ الجليلِ: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء:69-70].

     أليس هذا الذي دعا بكل هذه الدعوات لكل الناس، حَريٌ أن يُصلى عليه كل يوم في الصلاة: «اللَّهُمَّ صَلِّ علَى مُحَمَّدٍ وعلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كما صَلَّيْتَ علَى إبْرَاهِيمَ وعلَى آلِ إبْرَاهِيمَ؛ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ علَى مُحَمَّدٍ وعلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كما بَارَكْتَ علَى إبْرَاهِيمَ وعلَى آلِ إبْرَاهِيمَ؛ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» [رواه البخاري].

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

     قال صلى الله عليه وسلم: «الدُّعاءُ هوَ العبادةُ» ثمَّ قالَ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة].

     الدُّعاءُ مِن العِباداتِ الجليلةِ التي حثَّ عليها الشرعُ ورغَّبَ فيها، وفيها يَكونُ العبدُ قريبًا مِن اللهِ تعالى؛ ففي الدُّعاءِ يَقِفُ العبدُ بينَ يدَيِ اللهِ سائِلًا حاجتَه متوسِّلًا إليه بأسمائِه وصِفاتِه، مُتوجِّهًا إليه بقَلبِه، مُثنِيًا عليه بلِسانِه لا واسطةَ بينَه وبينَ اللهِ عزَّ وجلَّ.

     ومعنى: الدُّعاءُ هو العبادةُ، أي: مِن أجلِه تَكونُ العبادةُ؛ لأنَّ العبدَ في دُعائِه لربِّه يَكونُ مُعترِفًا بكَمالِ رُبوبيَّتِه وأُلوهيَّتِه، ويَكونُ مُقبِلًا على اللهِ مُعرِضًا عن غيرِه، يَدْعوه بأسمائِه الحُسْنى، لا يَدْعو أحَدًا غيرَه مِن نبيٍّ أو وليٍّ، مُستعينًا به في قَضاءِ حَوائجِه في الدُّنيا والآخرةِ، ثمَّ قرَأ النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيْه وسلَّم قولَه تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:60]، أي: اعبُدوني، وقيل: اسأَلوني؛ لأنَّ الدُّعاءَ إمَّا أن يَكونَ دُعاءَ عِبادةٍ وهو الثَّناءُ على اللهِ بصِفاتِه وأسمائِه، أو دُعاءَ مَسألةٍ، وهي سؤالُ العبدِ ربَّه عزَّ وجلَّ حاجتَه، وطلَبُ الرَّحمةِ والمغفرةِ، فإذا دعاء العبد ربه استجاب له وأثابه وأعطاه ما سأل، وأما من استكبر عن عبادته ودعائه فجزاؤه جهنم وعليه الذلة والصغار والعياذ بالله تعالى. [شرح موقع درر السنية بتصرف].

     قال صلى الله عليه وسلم: «أَقْرَبُ ما يَكونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ، وهو ساجِدٌ، فأكْثِرُوا الدُّعاءَ» [رواه مسلم].

اللهم اجعلنا من عبادك الملتجئين إليك الداعين لك يا رب العالمين.