يا عبدالله!

     في هذه الأيّام تتجلّي العبوديّة لله تعالى بأوضح معانيها ونستذكر أنّ الله تعالى وصف النبي صلى الله عليه وسلم في آية الإسراء التي تتحدّث عن دخوله المسجد الأقصى للمرة الأولى بالعبوديّة وذلك في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الإسراء:1].

     ووصف الذين دخلوا المسجد في المرة الأولى بأنهم عباد له فقال سبحانه وتعالى: ﴿فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً﴾ [الإسراء:5].

     وشعار معركة تحرير المسجد الأقصى من أيدي اليهود القادم كما بينه صلى الله عليه وسلم هو العبودية لله تعالى، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر أو الشجر فيقول الحجر أو الشجر يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله الاّ الغرقد فإنه من شجر اليهود» [رواه مسلم].

     فالطريق لتحرير المسجد الأقصى يبدأ بتحقيق العبودية لله تعالى على حقيقتها من الخضوع له وحده دون سواه، والامتثال لأوامره، واجتناب نواهيه، ورفض الخضوع لأحدٍ غيره جل وعلا.

     وها هو المسجد الأقصى عندما وقع في براثن الصليبيين الحاقدين؛ فما خلّصه من أيديهم وحرّره من احتلالهم إلاّ صلاح الدين الأيوبي الذي كان يتفقد جنده في خيامهم فيجدُ خيمةً يقوم أفرادها الليل فيقول: من هنا يأتي النصر، ويمر على خيمةٍ وقد نام أفرادها فيقول: من هنا تأتي الهزيمة.

     فالحقيقة ساطعة في أن اليهود لا تخيفهم المفاوضات ولا ترعبهم الحوارات، وإنما ترتعد فرائصهم رعباً من شباب تربّوا على مبادئ الإيمان وتعاليم القرآن الكريم وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام، ولن يحرر المسجد الأقصى إلا هؤلاء.

     إن الصّهاينة يحشدون لدخول ألفي مغتصب صهيونيّ باحات المسجد الأقصى المبارك في الثّامن والعشرين من شهر رمضان المبارك.

     وعباد الله تعالى الأطهار يشدّون الرّحال إلى المسجد الأقصى المبارك ويرابطون في ساحاته وباحاته لمنع قطعان المستوطنين من اقتحامه، فهم يقومون بواجبهم على الوجه الذي طلبه الله تعالى منهم.

     والسّؤال اليوم إن كانوا هم قدقاموا بما طلب منهم فما هو المطلوب منّا تجاههم وتجاه المسجد الأقصى المبارك في مواجهة هذا الاقتحام الإجراميّ المزمع؟

     إنّ أوجبَ الواجبات على المسلمين أن يجاهدوا بأنفسهم وأموالهم، فإذا احتل العدو بلدًا من بلادهم وعجز المسلم عن الجهاد بالنّفس، فعليه أن يجاهد بماله.

      قال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْـمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْـمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْـمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْـحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْـمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:95].

     وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وأموالكم» [رواه أبوداود].

     وما يبذله المسلم من دعمٍ ماليّ لإخوانه المجاهدين المرابطين في المسجد الأقصى المبارك ليس تبرعًّا، ولا تطوعًّا، ولا تفضّلًا، ولا إحسانًا منه، بل هو قيامٌ ببعض الحقّ الواجب عليه.

     قال تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال:72].

    وإنّ من أهم الواجبات العمل على إساءة وجه الصّهاينة وتعرية باطلهم وفضح مخططاتهم عبر وسائل الإعلام أو الحملات في وسائل التواصل الاجتماعيّ، ففيها إساءة لوجه الصّهاينة الغاصبين من جهة وشدّ أزر المرابطين من جهة أخرى.

    قال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء:7].

ولا ننس سلاح المؤمن وهو الدعاء لإخواننا بأن ينصرهم الله على عدو الإسلام والمسلمين.

     قال صلى الله عليه وسلم: «لا تَزالُ طائفةٌ مِن أُمَّتي على الدِّينِ ظاهرينَ لعَدوِّهم قاهرينَ، لا يَضُرُّهم مَن خالَفَهم، إلَّا ما أصابَهم مِن لَأواءَ حتى يَأتيَهم أمْرُ اللهِ وهم كذلك، قالوا: يا رسولَ اللهِ، وأين هم؟ قال: ببَيتِ المَقدِسِ وأكنافِ بَيتِ المَقدِسِ» [رواه أحمد].