ونستعين الله عليهم!

     عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال: ما منعني أن أشهد بدرا إلا أني خرجت أنا وأبي حُسَيْل، قال: فأخذنا كفار قريش، قالوا: إنكم تريدون محمدًا، فقلنا: ما تريده، ما نريده ما نريد إلا المدينة، فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة، ولا نقاتل معه، فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرناه الخبر، فقال: «انصرفا، نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم». [رواه مسلم].

الاستعانة: هي طلب العون من الله، أي توكل عليه والجأ إليه.

     قال السعدي رحمه الله: هي الاعتماد على الله تعالى في جلب المنافع، ودفع المضار، مع الثقة به في تحصيل ذلك. [تيسير الكريم الرحمن سورة الفاتحة].

     وهي عبادة لا يجوز صرفها لغير الله تعالى في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله جل وعلا، قال صلى الله عليه وسلم: «وإذا استعنت فاستعن بالله».

     والأمور التي يطلب العون فيها نوعان: منها ما لا يقدر عليه إلا الله فهذا لا تجوز الاستعانة فيه إلا بالله كمغفرة الذنوب، والنجاة من النار، والتوفيق للإيمان، وصلاح الأولاد، وتيسير الأمور. ومنها ما يقدر عليه المخلوق، كإعانة الإنسان في حمله على دابته، أو حمل متاعه عليها كما في الحديث: «وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه…» الحديث [البخاري: 2707، ومسلم: 8009]، وكدلالة الإنسان على الطريق، ومن ذلك التعاون على البر والتقوى، ويدخل في ذلك التآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر. [الشيخ عبد الرحمن البراك، فتوى: طلب العون من غير الله تعالى، موقع طريق الإسلام].

     قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنُ القَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلى اللهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وفي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ علَى ما يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ باللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ، وإنْ أَصَابَكَ شيءٌ، فلا تَقُلْ لو أَنِّي فَعَلْتُ كانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللهِ وَما شَاءَ فَعَلَ، فإنَّ لو تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» [رواه مسلم].

     والاستعانة بالله تكون ولو على الشيء اليسير: في الحديث القدسي: «يا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ، إلَّا مَن أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ، إلَّا مَن كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ» [رواه مسلم].

     عائشة رضي الله عنها تقول: سلوا الله كل شيء حتى الشسع فإن الله إن لم ييسره لم يتيسر. [رواه أبويعلى وحسنه الألباني في الضعيفة (1363)].

     ولا تعجب بنفسك وقدراتك وتنس الاستعانة: فإن بعض الناس ينسى اللجوء والاستعانة بالله جل وعلا ويقدم عليها واسطته في تنفيذ معاملته أو اعتماده على جاهه وقدرته، وهذا من الخلان المبين والعياذ بالله.

    قال ابن رجب رحمه الله: وأما الاستعانة بالله عز وجل دون غيره من الخلق، فلأن العبد عاجزٌ عن الاستقلال بجَلْب مصالحه ودفع مضارِّه، ولا مُعين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله عز وجل، فمَن أعانه الله فهو المعان، ومَن خذله الله فهو المخذول، وهذا تحقيق قول: لا حول ولا قوة إلا بالله. [جامع العلوم والحكم ص: (257)].

     وقال الشيخ السعدي رحمه الله في تفسير ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: والقيام بعبادة الله والاستعانة به هو الوسيلة للسعادة الأبدية، والنجاة من جميع الشرور، فلا سبيل إلى النجاة إلا بالقيام بهما. وإنما تكون العبادة عبادة، إذا كانت مأخوذة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مقصودا بها وجه الله. فبهذين الأمرين تكون عبادة، وذكر (الاستعانة) بعد (العبادة) مع دخولها فيها، لاحتياج العبد في جميع عباداته إلى الاستعانة بالله تعالى. فإنه إن لم يعنه الله، لم يحصل له ما يريده من فعل الأوامر، واجتناب النواهي. [تيسير الكريم الرحمن، الفاتحة].

     والاستعانة دواء لمرض الكبر: قال ابن القيم رحمه الله: إن القلب يعرض له مرضان عظيمان، إن لم يتداركهما العبد تراميا به إلى التلف ولا بد. وهما الرياء، والكبر. فدواء الرياء بـ (إياك نعبد) ودواء الكبر بـ (إياك نستعين).

     وكثيرا ما كنت أسمع شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: (إياك نعبد) تدفع الرياء، (وإياك نستعين) تدفع الكبرياء.

     فإذا عوفي من مرض الرياء بـ (إياك نعبد) ومن مرض الكبرياء والعجب بـ (إياك نستعين) ومن مرض الضلال والجهل بـ (اهدنا الصراط المستقيم) عوفي من أمراضه وأسقامه، ورفل في أثواب العافية، وتمت عليه النعمة. [مدارج السالكين (1/78)].

     وطلب العون من الله تعالى هي وصية المصطفى صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: «أوصيكَ يا معاذُ لا تدَعنَّ في دُبُرَ كلِّ صلاةٍ تقولُ: اللَّهمَّ أعنِّي على ذِكْرِكَ، وشُكْرِكَ، وحُسنِ عبادتِكَ» [رواه أبوداود].

     ولنحرص على الكنز الذي أبلغنا عنه صلى الله عليه وسلم، وهو كلمة: لا حول ولا قوة إلا بالله، وهي كلمة الاستعانة، قال صلى الله عليه وسلم: «يا عَبْدَ اللَّهِ بنَ قَيْسٍ» قُلتُ: لَبَّيْكَ يا رَسولَ اللَّهِ، قالَ: «ألَا أدُلُّكَ علَى كَلِمَةٍ مِن كَنْزٍ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ؟» قُلتُ: بَلَى يا رَسولَ اللَّهِ، فَدَاكَ أبِي وأُمِّي، قالَ: «لا حَوْلَ ولَا قُوَّةَ إلَّا باللَّهِ». [رواه البخاري].

     قال ابن القيم رحمه الله شارحا لكلمة (لاحول ولا قوة إلا بالله): لاحول ولا قوة إلا بالله فهو الذي بيده الحول كله والقوة كلها، فالحول والقوة التي يُرجى لأجلهما المخلوق ويُخاف إنما هما لله وبيده في الحقيقة، فكيف يُخاف ويُرجى من لا حول له ولا قوة، بل خوف المخلوق ورجاؤه أحد أسباب الحرمان ونزول المكروه بمن يرجوه ويخافه، فإنه على قدر خوفك من غير الله يُسلط عليك، وعلى قدر رجائك لغيره يكون الحرمان، وهذا حال الخلق أجمعه وإن ذهب عن أكثرهم علما وحالًا، فما شاء الله كان ولابد، وما لم يشأ لم يكن ولو اتفقت عليه الخليقة. [الفوائد، ص: (69)].