وتلك الأيام نداولها بين الناس!

في غزوة أحد: قالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَفِي القَوْمِ مُحَمَّدٌ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَنَهَاهُمُ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أَنْ يُجِيبُوهُ، ثُمَّ قالَ: أَفِي القَوْمِ ابنُ أَبِي قُحَافَةَ؟ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قالَ: أَفِي القَوْمِ ابنُ الخَطَّابِ؟ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ رَجَعَ إلى أَصْحَابِهِ فَقالَ: أَمَّا هَؤُلَاءِ، فقَدْ قُتِلُوا، فَما مَلَكَ عُمَرُ نَفْسَهُ، فَقالَ: كَذَبْتَ واللَّهِ يا عَدُوَّ اللَّهِ، إنَّ الَّذِينَ عَدَدْتَ لَأَحْيَاءٌ كُلُّهُمْ، وقدْ بَقِيَ لكَ ما يَسُوءُكَ، قالَ: يَوْمٌ بيَومِ بَدْرٍ، والحَرْبُ سِجَالٌ، إنَّكُمْ سَتَجِدُونَ في القَوْمِ مُثْلَةً، لَمْ آمُرْ بهَا ولَمْ تَسُؤْنِي، ثُمَّ أَخَذَ يَرْتَجِزُ: أُعْلُ هُبَلْ، أُعْلُ هُبَلْ، قالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «أَلَا تُجِيبُوا له»، قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، ما نَقُولُ؟ قالَ: «قُولوا: اللَّهُ أَعْلَى وأَجَلُّ»، قالَ: إنَّ لَنَا العُزَّى ولَا عُزَّى لَكُمْ، فَقالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «أَلَا تُجِيبُوا له»، قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، ما نَقُولُ؟ قالَ: «قُولوا اللَّهُ مَوْلَانَا، ولَا مَوْلَى لَكُمْ». [رواه البخاري، المثلة: التمثيل بالقتلى وكانت العرب تعدها نقيصة، وهو حرام في ديننا، عن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحث في خطبته عل الصدقة وينهى عن المثلة. رواه البخاري].

     وفي الغزوة أنـزلت: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140].

     قال البغوي رحمه الله: فيوم لهم ويوم عليهم، أديل المسلمون على المشركين يوم بدر حتى قتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين، وأديل المشركون من المسلمين يوم أحد حتى جرحوا منهم سبعين وقتلوا خمساً وسبعين. [معالم التنزيل].

     وقال السعدي رحمه الله: فيداول الله الأيام بين الناس، يوم لهذه الطائفة، ويوم للطائفة الأخرى؛ لأن هذه الدار الدنيا منقضية فانية، وهذا بخلاف الدار الآخرة، فإنها خالصة للذين آمنوا. [تيسير الكريم الرحمن].

      من حكمة ذلك والله أعلم: حتى لا يشعر المسلمون بالغرور لو كانوا دائما هم المنتصرين، ومراجعة النفس وإصلاح ما فسد منها، ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:216].

     ويقول صلى الله عليه وسلم لخباب بن الأرت رضي الله عنه عندما جاءه ومن معه يسألون النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله أن ينصرهم وأن تكون لهم العزة والمنعة إذ كانوا يعذبون من كفار قريش فقال لهم صلى الله عليه وسلم: «واللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هذا الأمْرُ، حتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِن صَنْعاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ، لا يَخافُ إلَّا اللَّهَ، والذِّئْبَ علَى غَنَمِهِ، ولَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ» [رواه البخاري].

     هذه هي الدنيا تتقلب بمن فيها، يوم لك ويوم عليك، فالإنسان بين صحة ومرض، وحياة وموت، وجوع وشبع، وغنى وفقر، وسعادة وشقاوة، وهزيمة وانتصار.

     قال ابن مسعود رضي الله عنه: السَّعِيدُ مَن وُعِظَ بغَيْرِهِ. [رواه مسلم].

     بلال بن رباح رضي الله عنه ينقلب من عبد حبشي لا قيمة له في نظر المشركين إلى راق على ظهر الكعبة في وجود أشراف قريش وساداتها وهم ينظرون إليه ولا يملكون إلا النظر، ويؤذن على الكعبة في فتح مكة.

قال أبو البقاء الرندي رحمه الله في قصيدته المشهورة:

لِكُلِّ شَيءٍ إِذا ما تَمّ نُقصانُ                   فَلا يُغَرَّ بِطيبِ العَيشِ إِنسانُ

هِيَ الأُمُورُ كَما شاهَدتُها دُوَلٌ                 مَن سَرّهُ زَمَن ساءَتهُ أَزمانُ

وَهَذِهِ الدارُ لا تُبقي عَلى أَحَدٍ                 وَلا يَدُومُ عَلى حالٍ لَها شانُ

إلى أن قال:

أَينَ الملوكُ ذَوي التيجانِ مِن يَمَنٍ              وَأَينَ مِنهُم أَكالِيلٌ وَتيجَانُ

وَأَينَ ما شادَهُ شَدّادُ في إِرَمٍ                    وَأينَ ما ساسَه في الفُرسِ ساسانُ

وَأَينَ ما حازَهُ قارونُ من ذَهَبٍ                وَأَينَ عادٌ وَشدّادٌ وَقَحطانُ

أَتى عَلى الكُلِّ أَمرٌ لا مَرَدّ لَهُ                  حَتّى قَضوا فَكَأنّ القَوم ما كانُوا

الإنسان لا يرضى بحاله! قال الشاعر:

صغير ود لو كبرا **وشيخ ود لو صغرا

وخال ٍيشتهي عملا ***وذو عمل به ضجرا

ورب المال في تعب ***وفي تعب من افتقرا

وهم لو آمنوا باللـه رزاقا ومقتدرا *** لما لاقوا الذي لا قـوه لا هما ولا كدرا

  • وقال الشاعر كذلك:

إذا كان يؤذيك حر المصيف … ويبس الخريف وبرد الشتا

ويلهيك حسن زمان الربيع … فأخذك للعلم قل لي: متى؟!

المرجع: [قيمة الزمن عند العلماء لعبد الفتاح أبو غدة ص (116)].

     النبي صلى الله عليه وسلم ينبهنا إلى مسألة مهمة في تغير الأحوال فيقول: «إنَّ لكلِّ شيءٍ شِرَّةٍ ولكلِّ شِرَّةٍ فَترةً، فإن كان صاحبُها سدَّد وقارَبَ فارجوهُ، وإن أُشيرَ إليهِ بالأصابعِ فلا تعدُّوهُ» [رواه الترمذي].

وفي رواية ثانية: «فمَن كانت فَتْرتُه إلى سُنَّتي فقد اهتَدى، ومَن كانت فَترتُه إلى غيرِ ذلك فقد هلَك». [صحيح الترغيب:56]، وسُنَّةُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم هي الاقتصادُ والتَّوسُّطُ، مع المداوَمةِ والإخلاصِ للهِ وعدَمِ الرِّياءِ والسُّمعةِ.

ومعنى الحديث: إنَّ لكلِّ شيءٍ: أي: جميعِ الأشياءِ والأمورِ؛ شِرَّةً: أي: نَشاطًا وشدَّةً، وحِرصًا ورغبةً في أوَّلِها، ولكلِّ شِرَّةٍ: أي: لكلِّ نَشاطٍ ورغبةٍ، فَتْرةً: أي: ضعفًا وخُمولًا وسكونًا في آخِرِه.

فإنْ كان صاحِبُها: أي: صاحِبُ الشِّرَّةِ والنَّشاطِ والرَّغبةِ.

سَدَّد: أي: لَزِم السَّدادَ وهو التَّوسُّطُ في الأعمالِ.

وقارَب: أي: اقتَرَب مِن فِعْلِ الأكمَلِ والأفضَلِ، بأَنِ اقتَصَد فلم يَغْلُ، ولم يُقصِّرْ، وسلَك الطَّريقَ المستَقيمَ، واجتَنب جانِبَيْ إفراطِ الشِّرَّةِ وتَفْريطِ الفَترَةِ.

فارْجُوه: أي: أَمِّلوا له نجاحَ أمْرِه وتمامَ ما دخَل فيه، والفوزَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

وإنْ: كان صاحِبُ الشِّرَّةِ اجتَهَد وبالَغ في العَمَلِ وصارَ مَشهورًا، حتَّى أشيرَ إليه بالأصابعِ؛ لِشُهرتِه وانتشارِ صيتِه، فلا تَعُدُّوه: أي: لا تَحْسُبوه مِن الصَّالحين؛ لأنَّه مُراءٍ بعمَلِه لا يُريدُ وجهَ اللهِ سبحانه وتعالى، بل همُّه حبُّ الرِّئاسةِ والجاهِ في قلوبِ النَّاسِ، والشُّهرةُ بالعبادةِ والزُّهدِ.

     وفي غزوة أحد أنـزلت: ﴿إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليمًا حكيمًا﴾ [النساء:104]، [ذكره ابن جرير في تفسيره].

     قال السعدي رحمه الله: فترجون الفوز بثوابه والنجاة من عقابه، بل خواص المؤمنين لهم مقاصد عالية وآمال رفيعة من نصر دين الله، وإقامة شرعه، واتساع دائرة الإسلام، وهداية الضالين، وقمع أعداء الدين، فهذه الأمور توجب للمؤمن المصدق زيادة القوة، وتضاعف النشاط والشجاعة التامة؛ لأن من يقاتل ويصبر على نيل عزه الدنيوي إن ناله، ليس كمن يقاتل لنيل السعادة الدنيوية والأخروية، والفوز برضوان الله وجنته، فسبحان من فاوت بين العباد وفرق بينهم بعلمه وحكمته. [تيسير الكريم الرحمن، النساء:104].

     قال ابن كثير رحمه الله: أنتم وإياهم سواء فيما يصيبكم وإياهم من الجراح والآلام، ولكن أنتم ترجون من الله المثوبة والنصر والتأييد، وهم لا يرجون شيئا من ذلك، فأنتم أولى بالجهاد منهم، وأشد رغبة في إقامة كلمة الله وإعلائها. [تفسير القرآن العظيم].

    ومن قصص تغير الزمان قصة المعتمد ابن عباد واعتماد الرُّمَيْكِيَّة:

     اعتماد الرُّمَيْكِيَّة (488 ه/1095م)، كانت جارية لرميك بن حجاج فنسبت إليه، عندما ركب المعتمد في النهر ومعه ابن عمار وزيره، وقد زردت الريح النهر، فقال ابن عباد لابن عمار: أجز:

صنع الريح من الماء زرد

فأطال ابن عمار الفكرة، فقالت امرأة من الغسالات:

أي درع لقتال لو جمد

     فتعجب ابن عباد من حسن ما أتت به، مع عجز ابن عمار، ونظر إليها فإذا هي صورة حسنة، فأعجبته فسألها: أذات زوج هي؟ فقالت: لا، فتزوجها، وقد كان لقب المعتمد بالأصل هو “المؤَيَّد بالله”، لكن بعد زواجه من الرميكية غيَّر لقبه إلى المعتمد على الله تيمُّنًا باسمها “اعتماد”.

     وولدت له أولاده الملوك النجباء، رحمهم الله تعالى، وهم: عباد الملقب بالمأمون، وعبيد الله الملقب بالرشيد، ويزيد الملقب بالراضي، والمؤتمن، وبثينة الشاعرة.

      والرُّمَيْكِيَّة صاحبة (يوم الطين) وقد رأت بعض نساء البادية بإشبيليّة يبعن اللبن في القرب وهنّ ماشيات في الطين، فاشتهت أن تفعل فعلهن، فأمر المعتمد بالعنبر والمسك والكافور وماء الورد، وصيّرها جميعا طينا في قصره وجعل لها قربا وحبالا من إبريسم، فخاضت هي وبناتها وجواريها في ذلك الطين.

     وغاضبها في بعض الأيام، فأقسمت أنها لم تر منه خيرًا قط، فقال: ولا يوم الطين؟! فاستحيت واعتذرت، وهذا مصداق قول نبينا صلى الله عليه وسلم في حق النساء: «أُرِيتُ النَّارَ فَإِذَا أكْثَرُ أهْلِهَا النِّسَاءُ، يَكْفُرْنَ» قيلَ: أيَكْفُرْنَ باللَّهِ؟ قالَ: «يَكْفُرْنَ العَشِيرَ، ويَكْفُرْنَ الإحْسَانَ، لو أحْسَنْتَ إلى إحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شيئًا، قالَتْ: ما رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ». [رواه البخاري].

     ولعل المعتمد أشار في أبياته الرائية إلى هذه القضية حيث قال في بناته:

يطأن في الطين والأقدامُ حافيةٌ     كأنها لم تطأْ مسكًا وكافورا

ويحتمل أن يكون أشار بذلك إلى ما جرت به عادة الملوك من ذر الطيب في قصورهم حتى يطؤوه بأقدامهم، زيادة في التنعم.

     وفي عام 484 هـ (1091م) أغار يوسف بن تاشفين على إشبيلية وسقطت إشبيلية عاصمة بني عبَّاد في أيدي المرابطين، واقتيدت الرميكية مع زوجها المعتمد بعد أن قتل ولديهما المأمون والراضي، أسرى إلى المغرب، حيث أقاموا أولاً لمدة وجيزة في طنجة، ثم مِكْناسة، وأخيراً استقروا في أغمات. ورافقته الرميكية طوال ما تبقَّى من حياته. توفيت الرميكية قبل زوجها المعتمد بقليل، وقد دُفِنَت بجانب زوجها في ضريحهما بمدينة أغمات.

     قال المعتمد بن عباد أثناء أسره عندما رأى بناته في العيد وقد أتينه يزرنه، وكن يغزلن بالأجرة في أغمات، فرآهن في أطمار رثة، فصدعن قلبه، فقال:

فيما مضى كنت بالأعياد مسروراً              فسائك العيد في أغمات مأسورًا

ترى بناتك في الأطمار جائعةً                يغزلن للناس ما يملكن قطميراً

برزن نحوك للتسليم خاشعةً                     أبصارهنَّ حسيرات مكاسيرًا

يطأن في الطين والأقدامُ حافيةً                كأنها لم تطأ مِسكاً وكافورًا

لا خد إلا تشكى الجدبَ ظاهرُهُ              وليس إلا مع الأنفاس ممطورا

أفطرت في العيد لا عادت مساءتُه            فكان فطرك للأكباد تفطيرا

قد كان دهرك إن تأمره ممتثلاً                  فردّك الدهر منهياً ومأمورًا

من بات بعدك في مُلكٍ يُسرّ به               فإنَّما بات في الأحلام مغرورًا

[انظر: نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب للتلمساني: (5/347) و(6/48-49)، وسير أعلام النبلاء للذهبي (19/64)، والأعلام لخير الدين الزركلي (1/334) بتصرف].