واجعله هاديًا مهديًا!

     عَنْ جَرِيرٍ رضي الله عنه قَالَ: مَا حَجَبَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلا رَآنِي إِلَّا تَبَسَّمَ فِي وَجْهِي، وَلَقَدْ شَكَوْتُ إِلَيْهِ أَنِّي لا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي وَقَالَ: «اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ، وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا« [رواه البخاري].

* ما حجبني: أي ما منعني من الدخول بعد استئذاني عليه وذلك إكرامًا منه صلى الله عليه وسلم لجرير لأنه من كبار قومه، وهذا ما تعلمناه من ديننا الحنيف أن نكرم الناس وننزلهم منازلهم، عن أَبي موسى رضي الله عنه قَالَ: قالَ رسولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِنْ إِجْلالِ اللَّهِ تَعَالَى: إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبةِ المُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرآنِ غَيْرِ الْغَالي فِيهِ والجَافي عَنْهُ، وإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ المقْسِطِ» [رواه أَبُو داود].

     وقَالَ رسولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ شَرَفَ كَبِيرِنَا» [رواه أَبُو داود، وَقالَ الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيح]. وفي رواية: «حق كبيرنا».

عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنه أَبْصَرَ رَجُلَيْنِ فَقَالَ: لِأَحَدِهِمَا مَا هَذَا مِنْكَ؟، فَقَالَ أَبِي، فَقَالَ: (لَا تُسَمِّهِ بِاسْمِهِ، وَلَا تمش أمامه، ولا تجلس قبله). [صحيح الأدب المفرد].

* تبسم في وجهي: عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه، قال: قال لي النَّبي صلى الله عليه وسلم: «لا تحقرنَّ من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طَلْق» [رواه مسلم].

     أي بوجه ضاحك مستبشر، وذلك لما فيه من إيناس الأخ المؤمن، ودفع الإيحاش عنه، وجبر خاطره، وبذلك يحصل التَّأليف المطلوب بين المؤمنين. [دليل الفالحين لابن علان: (2/356)].

     عن أبي ذر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تبسُّمك في وجه أخيك لك صدقة» [رواه الترمذي].

     قال ابن بطَّال رحمه الله: فيه أنَّ لقاء النَّاس بالتَّبسُّم، وطلاقة الوجه، من أخلاق النُّبوة، وهو مناف للتكبُّر، وجالب للمودَّة. [شرح صحيح البخاري 5/193].

* لا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ: كان جرير يسقط من فوق ظهر الخيل ويخاف إن ركب عليها سقط.

* فَضَرَبَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي: إنما ضرب بيده في صدره؛ لأن فيه القلب، وهو محل الثبات، وعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: «يا مثبت القلوب، ثبت قلبي على دينك»، فقلت: يا نبي الله، آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: نعم، «إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبها كيف شاء». [رواه الترمذي].

* اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ: فلم يسقط بعد ذلك عن فرس كما في رواية البخاري.

* وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا: قوله: (هاديا) أي: لغيره. (مَهْدِيا) أي: في نفسه.

     الهداية نوعان: هداية إلهام وتوفيق، وهي من الله، وهداية دلالة وإرشاد وهي من الإنسان. والمطلوب من الإنسان هو النوع الثاني. قال سبحانه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:272]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:56].

*دعاء الأخ لأخيه مستحب: «من دعا لأخيه بظهر الغيب قال الملك الموكل: آمين ولك بمثل» [رواه مسلم].*وهو من الدعوات المستجابة بإن الله تعالى: «دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة،