من يمنعك مني؟!

     عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أنَّهُ غَزَا مع النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فأدْرَكَتْهُمُ القَائِلَةُ في وادٍ كَثِيرِ العِضَاهِ، فَتَفَرَّقَ النَّاسُ في العِضَاهِ يَسْتَظِلُّونَ بالشَّجَرِ، فَنَزَلَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ تَحْتَ شَجَرَةٍ، فَعَلَّقَ بهَا سَيْفَهُ، ثُمَّ نَامَ، فَاسْتَيْقَظَ وعِنْدَهُ رَجُلٌ وهو لا يَشْعُرُ به، فَقالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «إنَّ هذا اخْتَرَطَ سَيْفِي، فَقالَ: مَن يَمْنَعُكَ؟ قُلتُ: اللَّهُ، فَشَامَ السَّيْفَ، فَهَا هو ذَا جَالِسٌ»، ثُمَّ لَمْ يُعَاقِبْهُ. [رواه البخاري]، العضاة: شجر عظيم له شوك، فشام السيف: رد السيف في غمده.

* حسن الظن من حسن العبادة: عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن حسن الظن بالله تعالى من حسن العبادة» [رواه أبو داود والترمذي].

* من أحسن ظنه بالله آتاه الله إياه: عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي» [متفق عليه]. وفي المسند عنه رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل قال: أنا عند ظن عبدي بي، إنْ ظن بي خيراً فله، وإن ظن شراً فله».

     والمعنى: أعاملُه على حسب ظنه بي، وأفعل به ما يتوقعه مني من خير أو شر. [تحفة الأحوذي (7/53)].

     قال الشوكاني رحمه الله: فيه ترغيب من الله لعباده بتحسين ظنونهم، وأنه يعاملهم على حسبها؛ فمن ظن به خيرًا أفاض عليه جزيل خيراته، وأسبل عليه جميل تفضلاته، ونثر عليه محاسن كراماته، وسوابغ عطيّاته.

     ومن لم يكن في ظنه هكذا لم يكن الله تعالى له هكذا، وهذا هو معنى كونه سبحانه وتعالى عند ظن عبده. [تحفة الذاكرين للشوكاني ص (26)، الباب الأول: في فضل الذكر والدعاء].

    وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: والذي لا إله غيرُه ما أُعطي عبدٌ مؤمن شيئاً خيراً من حسن الظن بالله عز وجل، والذي لا إله غيره لا يحسن عبد بالله عز وجل الظن إلا أعطاه الله عز وجل ظنَّه؛ ذلك بأنَّ الخيرَ في يده. [رواه ابن أبي الدنيا في حسن الظن].

* حسن الظن بالله من مقتضيات التوحيد: لأنه مبنيٌ على العلم برحمة الله وعزته وإحسانه وقدرته وحسن التوكل عليه، فإذا تم العلم بذلك أثمر حسن الظن.

     وقد ذم الله في كتابه طائفة من الناس أساءت الظن به سبحانه، وجعل سوء ظنهم من أبرز علامات نفاقهم وسوء طويتهم، فقال عن المنافقين حين تركوا النبي – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه في غزوة أحد: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران: 154]، وقال عن المنافقين والمشركين: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ ۚ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [الفتح: 6]. [من موقع الشبكة الإسلامية بتصرف].

* ضابط إحسان الظن بالله: قال ابن القيم رحمه الله: وبالجملة فحسن الظن إنما يكون مع انعقاد أسباب النجاة، وأما مع انعقاد أسباب الهلاك فلا يتأتى إحسان الظن. [الجواب الكافي ص 76 – 77].

     وقال الحسن البصري: إن قوما ألهتهم الأماني حتى خرجوا من الدنيا وما لهم حسنة، ويقول أحدهم: إني أحسن الظن بربي. وكذب، ولو أحسن الظن لأحسن العمل، وتلا قول الله تعالى: ﴿وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ﴾. [تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، فصلت:23].

* إذا ينبغي للمؤمن أن يحسن ظنه بالله في كل موطن وحال، ومن هذه المواطن:

* عند الشدائد والكرب: فإنَّ الثلاثة الذين تخلَّفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تبوك لم يُكشف عنهم ما بهم من كرب وضيق إلا بعدما أحسنوا الظن بربهم، قال تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة:118]. وتأمل في قوله: (وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه)، فلما أحسنوا الظن بالله رزقهم الله إياه.

* عند ضيق العيش: عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس لم تُسَدَّ فاقتُه، ومن نزلت به فاقة فأنزلها بالله فيوشِكُ الله له برزق عاجل أو آجل». [رواه الترمذي]، وإنزالها بالله: أن توقن وتظن أن الله تعالى يفرِّجُ عنك ويزيلها.

 * عند غلبة الدَّين: عن عبدالله بن الزبير بن العوام رضي الله عنهما قال: لَمَّا وقَفَ الزُّبَيْرُ يَومَ الجَمَلِ دَعَانِي، فَقُمْتُ إلى جَنْبِهِ فَقالَ: يا بُنَيِّ، إنَّه لا يُقْتَلُ اليومَ إلَّا ظَالِمٌ أَوْ مَظْلُومٌ، وإنِّي لا أُرَانِي إلَّا سَأُقْتَلُ اليومَ مَظْلُومًا، وإنَّ مِن أَكْبَرِ هَمِّي لَدَيْنِي، – حتى – قالَ عبدُ اللَّهِ: فَجَعَلَ يُوصِينِي بدَيْنِهِ، ويقولُ: يا بُنَيِّ إنْ عَجَزْتَ عنْه في شيءٍ، فَاسْتَعِنْ عليه مَوْلَايَ، قالَ: فَوَاللَّهِ ما دَرَيْتُ ما أَرَادَ حتَّى قُلتُ: يا أَبَةِ مَن مَوْلَاكَ؟ قالَ: اللَّهُ، قالَ: فَوَاللَّهِ ما وقَعْتُ في كُرْبَةٍ مِن دَيْنِهِ، إلَّا قُلتُ: يا مَوْلَى الزُّبَيْرِ اقْضِ عنْه دَيْنَهُ، فَيَقْضِيهِ. [رواه البخاري].

* عند الموت: عن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بثلاثة أيام يقول: «لا يموتَنَّ أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل» [رواه مسلم].

* قصيدة رائعة في حسن الظن بالله لمحمد بن وهيب الحميري البصري البغدادي:

وإنِّي لأدعو الله حتى كـــأنَّني *** أرى بجميل الظنِّ ما الله فاعلُهْ

أمُـــدُّ يــدي في غير يأسٍ لــعــلَّه *** يجود على عاصٍ كمثلي يواصلُهْ

وأقــرع أبـواب السماوات راجياً *** عطاءَ كريمٍ قطُّ ما خاب سائلُهْ

ومنْ لي سوى الرحمن رباً وسيّداً *** ومن غيره أُبديه ما الغير جاهلُهْ

وهل لانكسار العبد إلاَّ وليـُّـهُ *** وقــد واربَ الأحــزانَ والهمُّ قاتلُهْ

إذا سُــدَّتِ الأبواب ألقيتُ حاجتي *** إلى مَالِكِ الحــاجـاتِ غُـرٌّ نوائلُهْ

وإن جارت الأحوال آوت مطيتي *** إلى ركنه فاستبْدَرتْها شمائلُـهْ

له الخيرُ منه الخيرُ والخيرُ كُلُّه *** إليه وتزهو في يديه خمائلُــهْ

وما بـــاء بالخُسران إلاَّ مُكـابرٌ *** أبى، ثم باءت بالرَّزايا مسائلُـهْ

فيا ليت شعري كيف ينساه عاقلٌ *** ونعمـــاؤه تتــرى وتتــرى جمــائـــلُـهْ

ويـا عجباً للمرء سِيقت صُروفُـهُ *** إلى غير ذي زرعٍ وسِـيقتْ قوافلُهْ

ويا ساهراً والليل أضناك طولُهُ *** وأضناك ما أضناك في القلب شاغلُهْ

إلى مَنْ يحوم الطَّرفُ يَمْنَى ويَسْرةً *** وربُّكَ فوق الكُلِّ ما خابَ سائله