لو دنا مني لاختطفته الملائكة!

  عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالَ أَبُو جَهْلٍ: هلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ بيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ قالَ فقِيلَ: نَعَمْ، فَقالَ: وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذلكَ لأَطَأنَّ علَى رَقَبَتِهِ، أَوْ لأُعَفِّرَنَّ وَجْهَهُ في التُّرَابِ، قالَ: فأتَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ وَهو يُصَلِّي، زَعَمَ لِيَطَأَ علَى رَقَبَتِهِ، قالَ: فَما فَجِئَهُمْ منه إلَّا وَهو يَنْكُصُ علَى عَقِبَيْهِ وَيَتَّقِي بيَدَيْهِ، قالَ: فقِيلَ له: ما لَكَ؟ فَقالَ: إنَّ بَيْنِي وبيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِن نَارٍ وَهَوْلًا وَأَجْنِحَةً. فَقالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: «لو دَنَا مِنِّي لَاخْتَطَفَتْهُ الملَائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا» قالَ: فأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، لا نَدْرِي في حَديثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَوْ شيءٌ بَلَغَهُ: ﴿كَلَّا إنَّ الإنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعَى أَرَأَيْتَ الذي يَنْهَى عَبْدًا إذَا صَلَّى أَرَأَيْتَ إنْ كانَ علَى الهُدَى أَوْ أَمَرَ بالتَّقْوَى أَرَأَيْتَ إنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾، يَعْنِي أَبَا جَهْلٍ، ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بأنَّ اللَّهَ يَرَى، كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بالنَّاصِيَةِ، نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ، فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ، كَلَّا لا تُطِعْهُ﴾ [العلق من 6: 19]. زَادَ عُبَيْدُ اللهِ في حَديثِهِ قالَ: وَأَمَرَهُ بما أَمَرَهُ بهِ. وَزَادَ ابنُ عبدِ الأعْلَى ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾، يَعْنِي قَوْمَهُ. [رواه مسلم].

     عن أبي العباس عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوما فقال: «يا غُلامُ إنِّي أعلِّمُكَ كلِماتٍ، احفَظِ اللَّهَ يحفَظكَ، احفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تجاهَكَ، إذا سأَلتَ فاسألِ اللَّهَ، وإذا استعَنتَ فاستَعِن باللَّهِ، واعلَم أنَّ الأمَّةَ لو اجتَمعت علَى أن ينفَعوكَ بشَيءٍ لم يَنفعوكَ إلَّا بشيءٍ قد كتبَهُ اللَّهُ لَكَ، وإن اجتَمَعوا على أن يضرُّوكَ بشَيءٍ لم يَضرُّوكَ إلَّا بشيءٍ قد كتبَهُ اللَّهُ عليك، رُفِعَتِ الأقلامُ وجفَّتِ الصُّحفُ». [رواه الترمذي].

احفظ الله يحفظك: وحفظ الله لعبده نوعين:

* أحدهما: حفظ الله لعبده في دينه: وهو أشرفها وأفضلها، فيحفظ عليه دينه وإيمانه في حياته من الشبهات المردية، والبدع المضلة، والشهوات المحرمة.

ويحفظ عليه دينه عند موته فيتوفاه على الإسلام، وفي حديث عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه علمه أمن يقول: «اللَّهُمَّ احْفَظنِي بالإِسْلاَمِ قائِماً، واحْفَظْنِي بالإِسْلاَمِ قاعِداً، واحْفَظنِي بالإِسْلاَمِ راقِداً، ولا تُشْمِتْ بِي عَدُوّاً ولا حاسِداً». [رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي وابن حبان وانظر الصحيحة:1540].

     ولابد أن يحفظ العبد حدود الله وحقوقه، وأوامره ونواهيه، فيمتثل لأمره ويجتنب نواهيه، قال تعالى: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ [التوبة:112]، [نور الاقتباس لابن رجب ص:41بتصرف].

     ومن أعظم ما يجب حفظه من المأمورات الصلوات الخمس ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ﴾ [البقرة:238]، وقال صلى الله عليه وسلم: «خمسُ صلواتٍ افترضَهُنَّ اللَّهُ علَى عبادِهِ فمن جاءَ بِهِنَّ لم ينتقِصْ منهنَّ شيئًا استخفافًا بحقِّهنَّ فإنَّ اللَّهَ جاعلٌ لَه يومَ القيامةِ عَهْدًا أن يُدْخِلَهُ الجنَّةَ ومن جاءَ بِهِنَّ قدِ انتقَصَ منهنَّ شيئًا استخفافًا بحقِّهنَّ لم يَكُن لَه عندَ اللَّهِ عَهْدٌ إن شاءَ عذَّبَهُ وإن شاءَ غفرَ لَهُ» [رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه واللفظ له، وأحمد].

     وكذلك الطهارة فإنها مفتاح الصلاة قال صلى الله عليه وسلم: «لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن» [رواه أحمد والدارمي وابن حبان]، [نور الاقتباس لابن رجب ص:42بتصرف].

     حفظ الأيمان قال تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة:89]، وكان السلف كثيرًا يحافظون على الأيمان، فمنهم من كان لا يحلف بالله ألبتة، ومنهم من كان يتورع حتى يكفر عما شك في الحلف فيه، ووصى افمام أحمد عند موته أن يخرج عنه كفارة يمين، وقال: أظن أني حنثت في يمين حلفتها… وقد ورد التشديد العظيم في الحلف الكاذب، ولا يصدر   كثرة الحلف بالله إلا من الجهل بالله، وقلة هيبته في الصدور. [نور الاقتباس لابن رجب ص:44-45 بتصرف].

     ومما ينبغي حفظه كذلك الرأس وما وعى والبطن وما حوى، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استحيوا من الله حق الحياء». قال: قلنا: يا رسول الله، إنا نستحي والحمد لله، قال: «ليس ذاك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، ولتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك استحيا من الله حق الحياء». [رواه الترمذي].

     قال المباركفوري في شرح الحديث: قوله: (استحيوا من الله حق الحياء) أي: حياء ثابتًا ولازمًا صادقًا. قال المناوي: وقيل: أي اتقوا الله حق تقاته.

     (قلنا: يا رسول الله، إنا نستحي) ولم يقولوا: حق الحياء اعترافاً بالعجز عنه، (والحمد لله) أي: على توفيقنا به، (قال: ليس ذاك) أي: ليس حق الحياء ما تحسبونه، بل أن يحفظ جميع جوارحه عما لا يرضي، (ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس) أي: عن استعماله في غير طاعة الله، بأن لا تسجد لغيره، ولا تصلي للرياء، ولا تخضع به لغير الله، ولا ترفعه تكبراً، (وما وعى) أي: جمعه الرأس من اللسان والعين والأذن عما لا يحل استعماله، (وتحفظ البطن) أي: عن أكل الحرام، (وما حوى) أي: ما اتصل اجتماعه به من الفرج والرجلين واليدين والقلب، فإن هذه الأعضاء متصلة بالجوف، وحفظها بأن لا تستعملها في المعاصي، بل في مرضاة الله تعالى، (وتتذكر الموت والبلى) بكسر الباء من بلى الشيء إذا صار خَلِقاً متفتتاً يعني: تتذكر صيرورتك في القبر عظاماً بالية، (ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا) فإنهما لا يجتمعان على وجه الكمال حتى للأقوياء، قاله القاري.

     وقال المناوي: لأنهما ضرتان، فمتى أرضيت إحداهما أغضبت الأخرى، (فمن فعل ذلك) أي: جميع ما ذُكر، (فقد استحيا من الله حق الحياء). [تحفة الأحوذي:7/131]. [رواه أحمد والبيهقي، وقال المناوي: قال الحاكم: صحيح، وأقره الذهبي، وحسنه الألباني]. [إسلام ويب رقم الفتوى:19302].

     وقد جمع الله ذلك كله في قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:36].

     والعبد مأمور بحفظ فرجه، ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور:30].

     وقال صلى الله عليه وسلم: «مَن يَضْمَن لي ما بيْنَ لَحْيَيْهِ وما بيْنَ رِجْلَيْهِ أضْمَن له الجَنَّةَ» [رواه البخاري].

* الثاني: حفظه له في مصالح دنياه: كحفظه في بدنه وولده وأهله وماله يقول ابن عمر رضي الله عنهما: «لم يكنْ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَدَعُ هؤلاء الدعواتِ حينَ يُمسي، وحينَ يُصبِحُ: اللهم إني أسألُك العافيةَ في الدنيا والآخرةِ، اللهم إني أسألُك العفوَ والعافيةَ في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استرْ عورتي وآمنْ روعاتي، اللهم احفظْني مِن بين يديَّ ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي، وأعوذُ بعظمتِك أن أُغتالَ مِن تحتي» [رواه أبوداود].

     وقد يحفظ الله العبد بصلاحه في ولده وولده كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف:82]، إنهما حفظا بصلاح أبيهما، وقال محمد بن المنكدر: إن الله ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده وقريته التي هو فيها، والدويرات التي حولها، فما يزالون في حفظ من الله وستر. [نور الاقتباس لابن رجب ص:51بتصرف].

     وكتبت عائشة رضي الله عنها إلى معاوية: إن اتقيت الله كفاك الناس، وإن اتقيت الناس لم يغنوا عنك من الله شيئا.

بتقوى الإله نجا من نجا     وفاز وصار إلى ما رجا

ومن يتق الله يجعل له       كما قال من أمره مخرجا

[نور الاقتباس لابن رجب ص:54بتصرف].

* احفظ الله تجده تجاهك: يعني تجد الله عز وجل أمامك يدلك على كل خير، ويقربك إليه، ويهديك إليه، ويذود عنك كل شر، ولا سيما إذا حفظت الله بالاستعانة به، فإن الإنسان إذا استعان بالله عز وجل وتوكل عليه كان الله حسبه ولا يحتاج إلى أحد بعد الله، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:64]، أي حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين، فإذا كان الله حسب الإنسان فإنه لن يناله سوء ولذا قال: «احفظ الله تجده تجاهك». [شرح ابن عثيمين للأربعين النووية ص223].