كَانَتْ عِنْدَ أُمِّ سُلَيْمٍ يَتِيمَةٌ فَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَتِيمَةَ فَقَالَ: «آنْتِ هِيَهْ، لَقَدْ كَبِرْتِ لَا كَبِرَ سِنُّكِ»، فَرَجَعَتْ الْيَتِيمَةُ إِلَى أُمِّ سُلَيْمٍ تَبْكِي، وقَالَتْ لها: دَعَا عَلَيَّ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا يَكْبَرَ سِنِّي، فَالْآنَ لَا يَكْبَرُ سِنِّي أَبَدًا، أَوْ قالَتْ قَرْنِي، فَخَرَجَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ مُسْتَعْجِلَةً حَتَّى لَقِيَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ما لَكِ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ؟!»، فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! أَدَعَوْتَ عَلَى يَتِيمَتِي؟، قَالَ: «وَمَا ذَاكِ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ؟!»، قَالَتْ: زَعَمَتْ أَنَّكَ دَعَوْتَ أَنْ لَا يَكْبَرَ سِنُّهَا وَلَا يَكْبَرَ قَرْنُهَا، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: «يَا أُمَّ سُلَيْمٍ! أَمَا تَعْلَمِينَ أَنَّ شَرْطِي عَلَى رَبِّي أَنِّي اشْتَرَطْتُ عَلَى رَبِّي فَقُلْتُ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَرْضَى كَمَا يَرْضَى الْبَشَرُ، وَأَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ، فَأَيُّمَا أَحَدٍ دَعَوْتُ عَلَيْهِ مِنْ أُمَّتِي بِدَعْوَةٍ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ أَنْ يَجْعَلَهَا لَهُ طَهُورًا وَزَكَاةً وَقُرْبَةً يُقَرِّبُهُ بِهَا مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [رواه مسلم].
* النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دعا ربه جل وعلا أن يجعل استعجاله في غضبه على مسلم أو مسلمة أو دعوته عليه طهورا وزكاة وقربة له تقربه لله تعالى.
* وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «التَّأنِّي من اللهِ والعجَلَةُ من الشيطانِ» [السلسلة الصحيحة:1795]، وصية منه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لنا جميعا أن لا نستعجل، وأن نتأنى في أمور دنيانا، فالعجلة من الشيطان إلا في أمر الآخرة، وعنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «التُّؤَدَةُ في كل شيءٍ إلا في عملِ الآخرة» [السلسلة الصحيحة:1794].
* ها هو شهر الخيرات والبركات فلنستعجل في تحصيل ما نستطيع منه، عن علي رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «يا علي! ثلاث لا تؤخرها: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفؤا». [رواه الترمذي وحسنه ابن حجر]، أي: المرأة العزبة إذا وجدت لها كفؤا فلا تمتنع ولتستعجل بالموافقة.
* قال العلماء: العجلة من الشيطان إلا في خمسة فإنها من سنة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إطعام الطعام، وتجهيز الميت، وتزويج البكر، وقضاء الدين، والتوبة من الذنب. [العراقي في تخريج أحاديث الإحياء]، فإن في التأخير آفات، بل تعجل فيها.
* قال جل وعلا على لسان موسى عليه السلام: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ﴾ [طه:84]، أي: الذي عجلني إليك يا رب طلبا لقربك ومسارعة في رضاك، وشوقا إليك. [السعدي].
* وقد عاتب المولى تبارك وتعالى الصحابة على استبطاء خشوع قلوبهم لذكره فقال جل وعلا: ﴿ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون﴾ [الحديد:16]، قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن الله استبطأ قلوب المؤمنين، فعاتبهم. [القرطبي].
* لنتب إلى الله جميعا ولتخشع قلوبنا لكلامه جل وعلا، وليكن لكتابه سبحانه أثرًا في سلوكنا وحياتنا، ولنستعجل بهذه التوبة.
* من العجلة التي نهانا الله عنها الدعاء على النفس أو الولد أو المال لذلك حذرنا تعالى فقال: ﴿وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً﴾ [الإسراء: 11]، قال ابن كثير رحمه الله: يخبر تعالى عن عجلة الإنسان، ودعائه في بعض الأحيان على نفسه أو ولده أو ماله بالشر أي: بالموت أو الهلاك والدمار واللعنة ونحو ذلك، فلو استجاب له ربه لهلك بدعائه، كما قال تعالى: ﴿ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم﴾ [يونس:11، تفسير ابن كثير]، قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تَدْعُوا علَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا علَى أَوْلَادِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا علَى أَمْوَالِكُمْ، لا تُوَافِقُوا مِنَ اللهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ، فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ». [رواه مسلم].
* في جانب الخصومة والسب والشتم والطلاق لا تعجل: قال العلماء: أكثر الناس لا ينظرون في العواقب، فكم من مُخاصمٍ، سبَّ، وشتم، وطلَّقَ، فلما أفاق ندم. [ابن مفلح الحنبلي رحمه الله الآداب الشرعية:11/220].
* الاستعجال بالنصر: إن من يستعجل نصر الله عز وجل لابد أن يعلم:
– أن التدافع بين الحق والباطل سنة إلهية مستمرة إلى قيام الساعة.
– وأنه لا بد أن يصبر المؤمن ويثبت على دينه حتى لو أدى لترك بعض ما يريده من أجل درء مفسدة عظمى في حق المسلمين.
– ولابد أن يتيقن المسلم من نصر الله تعالى لدينه وإعزازه لكلمته، ولا يتزعزع هذا اليقين مهما علا الباطل وأهله.
– وأن يعلم المسلم أن التغيير مشروط بتغيير النفوس كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:11]، فـ “يغيروا ما بأنفسهم من المعاصي إلى الطاعات، ومن التعلق بغير الله والاعتماد عليه إلى صدق اللجوء إلى الله والتوكل عليه، ومن البذل في سبيل الشيطان إلى البذل في سبيله سبحانه، ومن موالاة الكافرين والمنافقين إلى موالاة المؤمنين والمصلحين، ومن إقامة الميزان على العصبيات والقوميات والوطنيات إلى العودة إلى رابطة الإيمان والتقوى، ومن همود العواطف وموت الإيمان ومحارم الله تنتهك إلى الغيرة على دين الله والتأثر لانتهاك حرماته كما قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله يغار وإن المؤمن يغار وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرّم عليه»” [تأملات دعوية للدكتور عبدالله الشيخ، بتصرف ص(143-145)، والحديث رواه البخاري ومسلم واللفظ له].