لا تغضب

     عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَغَضِبَ أَحَدُهُمَا، فَاشْتَدَّ غَضَبُهُ حَتَّى انْتَفَخَ وَجْهُهُ وَتَغَيَّرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً، لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ الَّذِي يَجِدُ» فَانْطَلَقَ إلَيْهِ الرَّجُلُ فأخْبَرَهُ بقَوْلِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وقالَ: تَعَوَّذْ باللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ فَقالَ: أتُرَى بي بَأْسٌ، أمَجْنُونٌ أنَا، اذْهَبْ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

     عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوْصِنِي، قَالَ: «لَا تَغْضَبْ» فَرَدَّدَ مِرَارًا، قَالَ: «لَا تَغْضَبْ». [رَواه البُخَارِيُّ].

     قال الرجل: ففكرت حين قال النبي صلى الله عليه وسلم ما قال، فإذا الغضب يجمع الشر كله. [رواه أحمد].

قال يحتمل أمرين:

أحدهما: التخلق بالأخلاق الحسنة كالحلم والاحتمال وكف الأذى والصفح والعفو وكظم الغيظ ونحو ذلك فإن النفس إذا تخلقت بها وصارت لها عادة فإنها تدفع الغضب عند حصول أسبابه.

والثاني: أن يملك الإنسان نفسه فلا يندفع لما لا يحمد عقباه، ولهذا المعنى قال الله عز وجل ‏﴿‏وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ‏﴾ [الأعراف:154]، [جامع العلوم والحكم لابن رجب الحديث:16بتصرف].

قال السعدي: أي: سكن غضبه، وتراجعت نفسه، وعرف ما هو فيه. [تيسير الكريم الرحمن].

الغضب خلق مذموم قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: 37]، أي يحلمون ويكظمون الغيظ ويتجاوزون. [تفسير البغوي].

 فهم قد تخلقوا بمكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، فصار الحلم لهم سجية، وحسن الخلق لهم طبيعة حتى إذا أغضبهم أحد بمقاله أو فعاله، كظموا ذلك الغضب فلم ينفذوه، بل غفروه، ولم يقابلوا المسيء إلا بالإحسان والعفو والصفح. [تفسير السعدي].

 والله عز وجل يقول: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ وقَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنَّ الغضبَ منَ الشيطانِ» [رواه أبوداود وحسنه ابن حجر].

والغضب عواقبه وخيمة، فَهُوَ:

  • يُوَلِّدُ بَيْنَ النَّاسِ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ.
  • وَيُورِثُ بَيْنَهُمُ الحِقْدَ وَالشَّحْنَاءَ.
  • وَيَحْمِلُ صَاحِبَهُ عَلَى عَدَمِ إِدْرَاكِ الأُمُورِ عَلَى حَقِيقَتِهَا.
  • وَيَدْفَعُهُ إِلَى العَجَلَةِ وَالتَّهَوُّرِ.
  • وَإِلَى إِفْسَادِ العَلَاقَاتِ، وَتَقَطُّعِ الصِّلَاتِ.
  • وَقَدْ يَصِلُ الغَضَبُ بِصَاحِبِهِ إِلَى القَتْلِ وَإِرَاقَةِ الدِّمَاءِ.
  • وَيَجُرُّ إِلَى الفِتَنِ وَالحُرُوبِ وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ.
  • كَمَا أَنْهُ يُؤَدِّي إِلَى الإِيذَاءِ النَّفْسِيِّ وَالبَدَنِيِّ وَالصِّحِّيِّ.

وَلَقَدْ صَدَقَ مَنْ قَالَ:

جِرَاحَاتُ السِّنَانِ لَهَا الْتِئَامٌ  ***  وَلَا يَلْتَامُ مَا جَرَحَ اللِّسَانُ

وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أنه لايغضب إلا إذا انتهكت محارم الله عز وجل، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: «مَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ حَتَّى يُنْتَهَكَ مِنْ حُرُمَاتِ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ» [رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].

    بل كان يدعو صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيقول: «أَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَكَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا» [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ].

     إِنَّ لِلْغَضَبِ أَسْبَابًا كَثِيرَةً تُثِيرُهُ: منها العُجْبُ وَالْكِبْـرُ، وَالحَمِيَّةُ وَالفَخْرُ؛ والحَسَدُ، والجَدَلُ وَالْمُمَارَاةُ وَالعُدْوَانُ، وَالخُصُومَةُ فِي البَاطِلِ وَالبُهْتَانِ؛ وَمِنْها ظَنُّ بَعْضِ النَّاسِ أَنَّ التَّهَوُّرَ شَجَاعَةٌ، وَأَنَّ سُرْعَةَ الغَضَبِ عِزَّةُ نَفْسٍ وَكَرَامَةٌ، وَهُوَ مَفْهُومٌ خَاطِئٌ لِلْغَضَبِ الَّذِي يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرْضَاهُ، وَلِلْمُنْكَرِ الَّذِي يَشِينُهُ الشَّرْعُ وَيَأْبَاهُ، والصحيح أن الشُّجَاعُ هُوَ مِنْ يَتَحَلَّمُ عِنْدَ الغَضَبِ، وَيَكُفُّ أَسْبَابَهُ وَيُوصِدُ أَبْوَابَهُ؛ كَمَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِى يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].

     إن مِنْ أَهَمِّ مَا يُعَالَجُ بِهِ الغَضَبُ: الِالْتِجَاءُ إِلَى اللهِ، وَالتَّحَصُّنُ بِذِكْرِهِ جَلَّ فِي عُلَاهُ؛ وهي: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا غضبَ الرجلُ فقال: أعوذُ باللهِ سكنَ غضبهُ» [الصحيحة: 1376]، والله عز وجل يقول: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف200]، وَمِنْ علاج الغضب: السُّكُوتُ لِيَقْطَعَ مَسَالِكَ الشَّيْطَانِ؛ فَفِي الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: »إِذَا غَضِب أحدكم فَليسْكُتْ« [رَوَاهُ أحمد والبخاري في الأدب المفرد].

وَمِنْهَا كَذَلِكَ: تَغْيِيرُ الحَالَةِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا؛ فَعَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَنَا: «إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ، فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ وَإِلَّا فَلْيَضْطَجِعْ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ].

ومنها الوضوء قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنَّ الغضبَ منَ الشيطانِ وإنَّ الشيطانَ خُلِقَ منَ النارِ وإنما تُطْفَأُ النارُ بالماءِ فإذا غَضِبَ أحدُكُم فلْيَتَوَضَأْ» [رواه أبوداود وحسنه ابن حجر].

وَمِنْ دَوَاءِ الغَضَبِ أَيْضًا: تَذَكُّرُ مَا يُوَرِّثُهُ مِنْ عَوَاقِبَ وَآثَارٍ، وَمَا يَجْلِبُهُ مِنْ آثَامٍ وَأَضْرَارٍ، وَمُقَارَنَةُ ذَلِكَ بِنَتَائِجِ كَظْمِ الغَيْظِ العَاجِلَةِ، وَثَمَرَاتِهِ الطَّيِّبَةِ الآجِلَةِ؛ فَعَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ، دَعَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رُؤُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ اللَّهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ مَا شَاءَ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُمَا، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ].