عن مالك بن نضلة الأشجعي رضي الله عنه قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ! الرجلُ أمرُّ به فلا يَقْريني ولا يضيِّفُني فيمرُّ بي أفأجزيهِ؟ قال: «لا، اقرِهِ» قال: ورآني رثَّ الثيابِ فقال: «هل لك من مالٍ؟» قلتُ من كلِّ المالِ قد أعطاني اللهُ، من الإبلِ والغنمِ، (وفي رواية النسائي: والخيل والرقيق)، قال: «فليُرَ عليك» [رواه الترمذي]. وفي رواية النسائي: «فليُرَ عليك أثرُ نعمةَ اللهِ وكرامتِه».
يقول صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده» [رواه الترمذي].
وهذا من باب شكر الله تعالى على نعمته وفضله، لأنه من باب الإقرار بها بشرط عدم الرياء والإسراف وأن يكون مستعينا بعمته تعالى على طاعته، فلا تشغله عن الطاعة.
قال صلى الله عليه وسلم: «كُلوا واشرَبوا وتَصدَّقوا والْبَسوا ما لم يخالِطْهُ إسرافٌ أو مَخيَلةٌ» [رواه ابن ماجه].
وقال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف:31].
قال مالك بن نضلة الأشجعي رضي الله عنه: فرحت إليه في حلة. [رواه أحمد].
تطبيق عملي لوصايا الرسول صلى الله عليه وسلم من الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين.
قال علي رضي الله عنه (ديوانه ص100):
إِذا كُنتَ في نِعمَةٍ فَاِرعَها فَإِنَّ المعاصي تُزيلُ النِعَم
وَحافِظ عَلَيها بِتَقوى الإِلَهِ فَإِنَّ الإِلَهَ سَريعُ النِّقَم
فَإِن تَعطِ نَفسَكَ آمالَها فَعِندَ مُناها يَحِلُّ النَدَم
فَأَينَ القُرونَ وَمَن حَولَهُم تَفانوا جَميعاً وَرَبّي الحَكَم
وَكُن مُوسِراً شِئتَ أُو مُعسِراً فَلا بُدَّ تَلقى بِدُنياكَ غَمّ
وَدُنياكَ بِالغَمِّ مَقرونَةٌ فَلا يُقطَع العُمرُ إِلّا بِهَمّ
حَلاوَةُ دُنياكَ مَسمومَةٌ فَلا تَأَكُلِ الشَهدَ إِلّا بِسُمّ
محامِدُ دُنياكَ مَذمومَةٌ فَلا تَكسَب الحَمدَ إِلّا بِذَم
إِذا تَمَّ أَمرٌ بَدا نَقصُهُ تَوَقَّ زَوالاً اِذا قيلَ تَمّ
فَكَم آمِنٍ عاشَ في نِعمَةٍ مِما حَسَّ بِالفَقرِ حَتّى هَجَم
وَكَم قَدَرٍ دَبَّ في غَفلَةٍ فَلَم يَشعُرِ الناسَ حَتّى هَجَم
البُخل ضد الكرم، والمبخلة: الشيء الذي يحملك على البخل، والبخل: امتناع البذل في كل الوجوه.
والبخل من الأخلاق المذمومة الممقوتة؛ لما فيه مـن الشح في الإنفاق، والحرص على كنز الأموال وجمعها، وقد يقود الفرد إلى التظاهر بالفقر خوفًا من الإقراض ومساعـدة الآخرين، أو يقوده إلى عدم إكرام الضيف، والنفقة على الأبناء، وهذا قد يؤدي بالأبناء إلى المسألة وتقليد الآباء في ذلك. [مساوئ الأخلاق لخالد الحازمي ص (90) بتصرف].
والبخل قد يكون في المال، وقد يكون في العلم وفي أنماط سلوكية مختلفة.
ومن الأسباب المؤدية للبخل ما يلي:
١ ـ الشح: وهو بخل مع حرص، وقد نهى عليه الصلاة والسلام عن الشح وبين آفاته الوخيمة، فقال صلى الله عليه وسلم: «اتقـوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقـوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم أن سفكوا دماءهم واستحلـوا محارمهم» [رواه مسلم]. وقال تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: ١٦].
٢ ـ حب المال لذاته: وهذا يدفعه إلى الحرص على جمعه وعدم إنفاقه فيما يجب، وبالقدر والسعة المطلوبة، قال تعالى: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر:20]، قال الطبري في تفسيرها: تحبون جمع المال أيها الناس واقتناءه حبا كثيراً شديداً.
٣ ـ الجهـل وعدم العلم بأهمية الإنفاق والكرم: وأنه ينمي المال ويزيد بركته، قال عز وجل: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:261]، قال ابن كثير في تفسيرها: هذا مثل ضربه الله تعالى لتضعيف الثواب لمن أنفق في سبيله وابتغاء مرضاته، وأن الحسنة تضاعف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل: «قال الله تبارك وتعالى: یا ابن آدم أنفق، أنفق عليك» [رواه البخاري ومسلم واللفظ له]. وقال صلى الله عليه وسلم: «ما نقصت صدقة من مال» [رواه مسلم]. [مساوئ الأخلاق لخالد الحازمي ص(90-91) بتصرف].
آفات البخل ما يأتي:
1 ـ إن البخل مضر للبخيل في دينه: فهو يمنعه من أداء الزكاة والصدقة وإكرام الضيف والجار، وصلة الأرحام، قال تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران:١٨٠]، أي لا يحسبن البخيل أن جمعه المال ينفعه، بل مضـرة عليه في دينه وربما كان في دنياه، ثم أخبر بمآل أمر ماله يوم القيامة فقال تعالى: ﴿ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
ومانع الزكاة يعذب بأبشع العذاب، قال صلى الله عليه وسلم: «من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعًـا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه -يعني بشدقيه – ثم يقول: أنا مالك أنا كنزك» [رواه البخاري واللفظ له ومسلم]، [الزبيبة: نكتة سوداء فوق عين الحية].
٢ ـ إن الشح مهلكة ومدعاة إلى القتل والنهب والسلب: فبسبب منع الزكاة والعطف على المحتاجين ربما زجت بهم الفاقة إذا لم يكن يردعهم الوازع الديني إلى السلب والنهب والقتل، وبغض ذوي الأموال، وقد حذرنا المصطفی صلى الله عليه وسلم منه، وبين لنا مضاره على المجتمع، فقال عليه الصلاة والسلام: «اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم» [رواه مسلم].
٣ ـ إن البخل بـاب للتلف، والعطاء باب للنماء والزيادة: فقد قال صلى الله عليه وسلم: «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقـول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا» [رواه مسلم].
٤ ـ ومن آفاته أن يظهـر البخيل بمظهر الفقر والهيئة الرثة: من جراء بخله على نفسه. فـقـد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الأحوص أن يري أثر مـالـه، فعـن أبي الأحوص عن أبيه قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآني سيئ الهيئة، فقال صلى الله عليه وسلم: «هل لك من شي؟» قال: نعم، من كل المال قـد آتاني الله. فقال: «إذا كان لك مال فلير عليك» [رواه النسائي].
٥ ـ إن البخل من خصال أهل الكتاب: كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ [النساء: 37]. قال ابن كثير رحمه الله: وقد حمل بعض السلف هذه الآية على بخل اليهود بإظهار العلم الذي عندهم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم وكتمانهم ذلك؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ فوصفهم ببخل العلم، وبخل المال، وإن كان السياق يدل على أن البخل بالعلم هو المقصود، وقد ابتلي به طوائف من المنتسبين إلى العلم، فإنهم تارة يكتمونه بخلا به، وكراهة أن ينال غيرهم من الفضل ما نالوه، وتارة اعتياضاً عنه برئاسة، أو مال ويخافون من إظهاره انتقاص رياستهم أو مالهم. [مساوئ الأخلاق لخالد الحازمي ص(91-93) بتصرف].
التوجيهات التربوية العلاجية من داء البخل:
1 ـ أن يتعوذ الإنسان من البخل: فقد كان يتعوذ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو من أجـود الناس وأكرمهم، فيقول: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والبخل والجبن وضلع الدين وغلبة الرجال» [رواه البخاري واللفظ له ومسلم].
٢ ـ أن تقوم المؤسسات التربوية بدورها التعليمي الإرشادي: في بيان أهمية الإنفاق في الإسلام وثوابه وأجره، وأنه من أسباب نماء المال وزيادته وبركته، وأن البخل من الأسباب المؤدية إلى البغضاء والكره والفساد وسفك الدماء والسرقة، وأن وباله وخطره على البخيل والمجتمع خطير.
٣ ـ أن يجاهد الإنسان نفسه بـالإنفاق ويعودهـا على العطاء: ويغلب عاطفة الإنفاق على حب كنز المال، ويدفعها بإرادة قوية، يشدها التطلع إلى جنة عرضها السموات والأرض، «أنفِقْ بلالُ ولا تَخْشَ مِن ذي العرشِ إقلالًا» [السلسلة الصحيحة: 266].
٤ ـ أن يؤدي الآباء والأمهات والمربون دورهم التربوي: ويكونوا قدوة للأبناء في الإنفاق دون إسراف.
٥ ـ أن ينظر إلى كرم الصحابة وإيثار بعضهم على بعض: كما قال تعالى في وصف الأنصار: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:9].
[مسـاوئ الأخـلاق لخالد الحازمي ص: (90-93) بتصرف].