قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان:67].
الإنسان مسؤول عن النعيم الذي يناله:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَعْنِي الْعَبْدَ مِنْ النَّعِيمِ أَنْ يُقَالَ لَهُ: أَلَمْ نُصِحَّ لَكَ جِسْمَكَ وَنُرْوِيَكَ مِنْ الْمَاءِ الْبَارِدِ» [رواه الترمذي (3358) وصححه الألباني في صحيح الترمذي].
وقال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَزُولُ قَدَمُ ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ، وَمَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ» [رواه الترمذي (2416) وحسنه الألباني في صحيح الجامع (7299)].
وذكر أهل العلم لهذه الآية معان منها: المعنى الأول:
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: هم المؤمنون لا يسرفون فينفقون في معصية الله، ولا يُقترون فيمنعون حقوق الله تعالى. [رواه ابن جرير في تفسيره للآية].
عن مجاهد رضي الله عنه قال: لو أنفقت مثل أبي قبيس ذهبا في طاعة الله ما كان سرفا، ولو أنفقت صاعا في معصية الله كان سرفا. [رواه ابن جرير في تفسيره للآية].
المعنى الثاني:
عن إبراهيم قال: لا يجيعهم ولا يعريهم ولا ينفق نفقة يقول الناس قد أسرف. [رواه ابن جرير في تفسيره للآية].
عن كعب بن فروخ عن قتادة عن مُطرِّف بن عبد الله قال: خير هذه الأمور أوساطها، والحسنة بين السيئتين. فقلت لقتادة: ما الحسنة بين السيئتين؟
فقال: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا). [رواه ابن جرير في تفسيره للآية].
الرأي الراجح: المعنى الثالث:
قال أبو جعفر – الطبري -: والصواب من القول في ذلك، قول من قال: الإسراف في النفقة الذي عناه الله في هذا الموضع: ما جاوز الحدّ الذي أباحه الله لعباده إلى ما فوقه، والإقتار: ما قصر عما أمر الله به، والقوام: بين ذلك.
وإنما قلنا إن ذلك كذلك، لأن المسرف والمقتر كذلك، ولو كان الإسراف والإقتار في النفقة مرخصا فيهما ما كانا مذمومين، ولا كان المسرف ولا المقتر مذموما، لأن ما أذن الله في فعله فغير مستحقّ فاعله الذمّ… بل ذلك من القوام، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر ببعض ذلك، وحضّ على بعضه، كقوله: «مَا عَلى أحَدِكُمْ لَوْ اتَّخَذَ ثَوْبَيْنِ: ثَوْبًا لِمِهْنَتِهِ، وَثَوْبًا لجُمْعَتِهِ وَعِيدِه» وكقوله: «إذَا أنْعَمَ اللهُ عَلَى عبْدٍ نِعْمَةً أَحَبَّ أَنْ يَرَى أَثَرَهَا عَلَيْهِ» وما أشبه ذلك من الأخبار. اهـ.
قال الإمام ابن كثير رحمه الله: أي: ليسوا بمبذرين في إنفاقهم فيصرفون فوق الحاجة، ولا بخلاء على أهليهم فيقصرون في حقهم فلا يكفونهم، بل عدلا خيارا، وخير الأمور أوسطها، لا هذا ولا هذا. [تفسير القرآن العظيم].
قال الشيخ السعدي رحمه الله: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا} النفقات الواجبة والمستحبة {لَمْ يُسْرِفُوا} بأن يزيدوا على الحد فيدخلوا في قسم التبذير وإهمال الحقوق الواجبة، {وَلَمْ يَقْتُرُوا} فيدخلوا في باب البخل والشح {وَكَانَ} إنفاقهم {بَيْنَ ذَلِكَ} بين الإسراف والتقتير {قَوَامًا} يبذلون في الواجبات من الزكوات والكفارات والنفقات الواجبة، وفيما ينبغي على الوجه الذي ينبغي من غير ضرر ولا ضرار وهذا من عدلهم واقتصادهم. [تيسير الكريم الرحمن].
عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما عال من اقتصد» [رواه الإمام أحمد بإسناد حسن]، قال السفاريني رحمه الله: أي ما افتقر من لا يسرف في الإنفاق ولا يقتر. [غذاء الألباب (2/541) مطلب في الاقتصاد في الأمور].
قال أبو الدرداء رضي الله عنه: (إن من فقه الرجل رفقه في معيشته) قال الشيخ المنجد: يعني: لا يتكلف ويتبسط في الحياة، بعض الناس عندهم تعقيد، ولذلك يعيش في شقاء، لأنه لا يمكن أن تنزل هذه الموضة والموديل في السوق دون أن يقتنيه، فيجلس ويتابع ويشقى، ويجري وراء هذه الأشياء المجمعة، ليس هذا هو الرفق في المعيشة الذي قال عنه أبو الدرداء: (إن من فقه الرجل رفقه في معيشته). [دروس صوتية للشيخ محمد المنجد قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية برقم: (242)].
ليس من النعيم المسئول عنه يوم القيامة ما يضطر إليه المرء: من طعام يسد به جوعته أو ملبس يستر به عورته، أو مسكن يتقي به الحر والبرد، أما ما زاد عن حد الاضطرار والاحتياج الشديد فهو من النعيم المسئول عنه.
فقد ثبت في رواية في مسند أحمد (20244) عن أبي عسيب رضي الله عنه قال: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلًا فَمَرَّ بِي فَدَعَانِي إِلَيْهِ ، فَخَرَجْتُ ثُمَّ مَرَّ بِأَبِي بَكْرٍ فَدَعَاهُ فَخَرَجَ إِلَيْهِ ثُمَّ مَرَّ بِعُمَرَ فَدَعَاهُ فَخَرَجَ إِلَيْهِ فَانْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ حَائِطًا لِبَعْضِ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ لِصَاحِبِ الْحَائِطِ: «أَطْعِمْنَا بُسْرًا» فَجَاءَ بِعِذْقٍ فَوَضَعَهُ فَأَكَلَ، فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ بَارِدٍ فَشَرِبَ فَقَالَ: «لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، قَالَ: فَأَخَذَ عُمَرُ الْعِذْقَ فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ حَتَّى تَنَاثَرَ الْبُسْرُ قِبَلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَئِنَّا لَمَسْئُولُونَ عَنْ هَذَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: «نَعَمْ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: خِرْقَةٍ كَفَّ بِهَا الرَّجُلُ عَوْرَتَهُ، أَوْ كِسْرَةٍ سَدَّ بِهَا جَوْعَتَهُ، أَوْ حَجَرٍ يَتَدَخَّلُ فِيهِ مِنْ الْحَرِّ وَالْقُرِّ». [حسنه الألباني في صحيح الترهيب والترغيب (3221)]. [الإسلام سؤال وجواب برقم: (181057)].
عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أحسن القصد في الغنى، وأحسن القصد في الفقر، وأحسن القصد في العبادة» [رواه البزار في مسنده (عن حذيفة) بن اليمان ثم قال: لا نعرفه يروى إلا من حديث حذيفة رضي الله عنه، قال الهيثمي: رواه البزار من رواية سعيد بن حكيم عن مسلم بن حبيب، ومسلم لم أجد من ذكره إلا ابن حبان في ترجمة سعيد الراوي عنه، وبقية رجاله ثقات.].
قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:143].
لا تذهبن في الأمور فرطا لا تسألن إن سألت شططا
وكن من الناس جميعا وسطا. [القرطبي تفسير الآية].