صفات عباد الرحمن (3)

قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان:65- 66].

     قال الإمام الطبري رحمه الله: يقول تعالى ذكره: والذين يدعون الله أن يصرف عنهم عقابه وعذابه حذرا منه ووجلا. وقوله: (إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا) يقول: إن عذاب جهنم كان غراما مُلحا دائمًا لازمًا غير مفارق من عذِّب به من الكفار، ومهلكًا له. [تفسير جامع التأويل].

     عن محمد بن كعب رحمه الله قال: إن الله سأل الكفار عن نعمه، فلم يردّوها إليه، فأغرمهم، فأدخلهم النار. [تفسير جامع التأويل].

ومنه قول الأعشى:

إنْ يُعَــاقِب يَكُـنْ غَرَامـا وَإِنْ يُـعْـ       ـطِ جَـــزِيلا فَإِنَّـــهُ لا يبـــالي

[البيت لأعشى بني قيس بن ثعلبة (ديوانه طبع القاهرة، بشرح الدكتور محمد حسين، ص 9) وهو من قصيدة يمدح بها الأسود بن المنذر اللخمي، وأولها مــا بكــاء الكبــير بــالأطلال، والغرام الشر الدائم، ومنه قوله تعالى: {إن عذابها كان غرامًا} أي هلاكًا ولزامًا لهم. يقول: إن عاقب كان غرامًا، وإن أعطى لم يبال العذال].

     قال الإمام القرطبي رحمه الله: أي هم مع طاعتهم مشفقون خائفون وجلون من عذاب الله. ابن عباس رضي الله عنهما: يقولون ذلك في سجودهم وقيامهم. [الجامع لأحكام القرآن].

     يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ﴾ أي: هم مع إحسانهم وإيمانهم وعملهم الصالح، مشفقون من الله خائفون منه، وجلون من مكره بهم، قال الحسن البصري رحمه الله: إن المؤمن جمع إحسانا وشفقة، وإن المنافق جمع إساءة وأمنا. [تفسير القرآن العظيم].

     قال عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ. أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون:60-61].

     عن عائشة رضي الله عنها قالت: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ قَالَتْ عَائِشَةُ: أَهُمْ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟ قَالَ: «لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ! وَلَكِنَّهُمْ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُمْ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾» [رواه الترمذي (3175) وصححه ابن كثير في تفسيره].

     ومع ذلك لم يتحول الخوف – لدى هؤلاء – إلى هاجس يُضعف عن العمل، أو قنوط ووسواس يخالف في مضمونه العشرات من آيات الرجاء في القرآن الكريم.

     ألم تسمع قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:70].

     وقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [القصص:84].

     وقوله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا. أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف:30-31].

ويقول سبحانه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:90].

     فالواجب على المسلم أن يؤمن – إيمانًا حقيقيًا يظهر أثره في الجوارح والقلوب – بعدل الله وكرمه، وأنه سبحانه وتعالى لا يضيع أجر من أحسن عملاً، ولا يظلم مثقال ذرة، بل يجازي بالإحسان إحسانًا، وبالإساءة عفوًا وصفحًا وغفرانًا لمن يشاء عز وجل. [موقع الإسلام سؤال وجواب رقم الفتوى (152304)].

     يقول الشيخ السعدي رحمه الله في تفسيره لقوله تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء:174]: أخبر تعالى عن كمال غناه وسعة حلمه ورحمته وإحسانه فقال: (مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ)؛ والحال أن الله شاكر عليم. يعطي المتحملين لأجله الأثقال، الدائبين في الأعمال: جزيل الثواب وواسع الإحسان. ومن ترك شيئًا لله أعطاه الله خيرًا منه.

     ومع هذا يعلم ظاهركم وباطنكم، وأعمالكم وما تصدر عنه من إخلاص وصدق، وضد ذلك. وهو يريد منكم التوبة والإنابة والرجوع إليه، فإذا أنبتم إليه: فأي شيء يفعل بعذابكم؟ فإنه لا يتشفى بعذابكم، ولا ينتفع بعقابكم؛ بل العاصي لا يضر إلا نفسه، كما أن عمل المطيع لنفسه.

     والشكر: هو خضوع القلب واعترافه بنعمة الله، وثناء اللسان على المشكور، وعمل الجوارح بطاعته، وأن لا يستعين بنعمه على معاصيه. [تيسير الكريم الرحمن].

     قال الشيخ السعدي رحمه الله: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾ أي: ادفعه عنا بالعصمة من أسبابه ومغفرة ما وقع منا مما هو مقتض للعذاب. ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ أي: ملازما لأهلها بمنزلة ملازمة الغريم لغريمه. [تيسير الكريم الرحمن].

     وقول عباد الرحمن في دعائهم السابق: ﴿رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾ يتضمن أيضًا الدعاء بصرف الأسباب المفضية إلى عذاب النار، بالتوفيق للبعد عنها، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه علَّم عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها أن تدعو فتقول: «اللهمَّ إنِّي أسألُك الجنةَ وما قرَّب إليها من قولٍ أو عملٍ، وأعوذُ بك من النارِ وما قرَّب إليها من قولٍ أو عملٍ» [رواه ابن ماجه في السنن (3846)، وصححه الألباني في الصحيحة (1542)]. [صفات عباد الرحمن للبدر ص16].

﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾: أي دائما ملازمًا شديدًا.

﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾: أي بئس المستقر وبئس الخلود.