قال الإمام الطبري رحمه الله: يقول تعالى ذكره: والذين يبيتون لربهم يصلون لله، يراوحون بين سجود في صلاتهم وقيام. وقوله: (وَقِيَامًا) جمع قائم، كما الصيام جمع صائم.
وقال الإمام ابن كثير رحمه الله: أي: في عبادته وطاعته، كما قال تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:17 -18]، وقال: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة:16]، وقال: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ الآية [الزمر:9].
وقال الشيخ السعدي رحمه الله: أي: يكثرون من صلاة الليل مخلصين فيها لربهم متذللين له كما قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. [تيسير الكريم الرحمن].
وهي صفة ظاهرة لهم، وهي المحافظة على أداء الصلاة التي هي أعظم الأعمال البدنية.
فرضًا ونفلا لاسيما قيام الليل، فإنها سنة مؤكدة عن رسول الله r.
وأنشدوا في صفة الأولياء:
امنع جفونك أن تذوق منامــــــــــــــــا *** وأذر الدموع على الخدود سجامـــــــا
واعلم بأنك ميت ومحـــــــــــــــاسب *** يا من على سخط الجليل أقامـــــــــــــــا
لله قوم أخلصـــــــــــــــــوا في حبه *** فرضي بهم واختصهم خدامـــــــــــــــــا
قوم إذا جن الظلام عليهـــــــــــــــم *** باتوا هنالك سجدا وقيامــــــــــــــــــــــــا
خمص البطون من التعفف ضمرا *** لا يعرفون سوى الحلال طعامــــــــــــــــا
قال ابن عباس y: من صلى ركعتين أو أكثر بعد العشاء فقد بات لله ساجدا وقائما. [الجامع لأحكام القرآن للقرطبي].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سُئِلَ – أي النبي صلى الله عليه وسلم-: أَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ بَعْدَ المكْتُوبَةِ؟ وَأَيُّ الصِّيَامِ أَفْضَلُ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ؟ فَقالَ: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ المَكْتُوبَةِ الصَّلَاةُ في جَوْفِ اللَّيْلِ، وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ صِيَامُ شَهْرِ اللهِ المُحَرَّمِ». [رواه مسلم (1163)].
وقيام الليل دأب الصالحين: عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: «عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم، وهو قربة إلى ربكم، ومكفرة للسيئات ومنهاة للإثم». [رواه الترمذي وصححه الألباني في إرواء الغليل (452)].
وقت قيام الليل: قام r أول الليل وقام أوسطه وقام آخره واستقر آخر أمره على آخره عند وقت السَّحر، الذي هو أفضل الأوقات، لأنه r قال: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إلى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ يقولُ: مَن يَدْعُونِي، فأسْتَجِيبَ له مَن يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَن يَسْتَغْفِرُنِي فأغْفِرَ له» [رواه البخاري (1145) ومسلم (752)].
وصلاة الليل مثنى مثنى: عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: قَامَ رَجُلٌ، فَقالَ: يا رَسولَ اللهِ، كيفَ صَلَاةُ اللَّيْلِ؟ قالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خِفْتَ الصُّبْحَ فأوْتِرْ بوَاحِدَةٍ» [رواه مسلم (749)].
أي: تُصَلِّي رَكعتينِ ثم تُسلِّمُ، ثم تُصَلِّي رَكعتينِ أُخرييْنِ، وهكذا، حتَّى إذا خاف المُصلِّي أنْ يَدخُلَ وَقتُ صَلاةِ الصُّبحِ -ومِثلُه الذي يُصلِّي في أوَّلِ اللَّيلِ ويَنامُ حتَّى وَقتِ الصُّبحِ- فعليه أنْ يَختِمَ قِيامَه برَكعةٍ واحدةٍ، هي الوترُ للصَّلواتِ الشَّفعِ الثُّنائيَّةِ التي صَلَّاها، ثُم يُسَلِّمُ بعدَها. [شرح موقع درر السنية].
بديل قيام الليل: وقال صلى الله عليه وسلم: «مَن صَلَّى العِشَاءَ في جَمَاعَةٍ فَكَأنَّما قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَمَن صَلَّى الصُّبْحَ في جَمَاعَةٍ فَكَأنَّما صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ» [رواه مسلم (656)].
من أسباب دخول الجنة قيام الليل: قال صلى الله عليه وسلم: «يا أيُّها النَّاسُ أفشوا السَّلامَ وأطعِموا الطَّعامَ وصلُّوا باللَّيلِ والنَّاسُ نيامٌ تدخلوا الجنَّةَ بسلامٍ» [صحيح ابن ماجه (1105)].