قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقومُ السَّاعةُ حتَّى يتقارَبَ الزَّمانُ، فتَكونُ السَّنةُ كالشَّهرِ، والشَّهرُ كالجُمُعةِ، وتَكونُ الجمعةُ كاليَومِ، ويَكونُ اليومُ كالسَّاعةِ، وتَكونُ السَّاعةُ كالضَّرمةِ بالنَّارِ» [صحيح الترمذي (2332)].
الزمان يمضي بسرعة يا عباد الله، وهذا من علامات الساعة كما أخبر صلى الله عليه وسلم، فالسنة تمر على الإنسان كأنها شهر، والشهر كأنه أسبوع، والأسبوع كأنه يوم، واليوم كأنه ساعة، والساعة كأنها لحظة إشعال النار، حتى أن الله تعالى أخبرنا أن هذه الدنيا كالخيال فقال: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون:112-113]، يومًا أو بعض يوم كأنه خيال مر وذهب، فهل ننتبه لذلك يا عباد الله، إن أعمار هذه الأمة قصيرة نسبة لأعمار من سبقها من الأمم، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك». [أخرجه الترمذي وابن ماجه وأخرجه ابن حبان في صحيحه، وصححه الحاكم. وقال ابن حجر في فتح الباري: أخرجه الترمذي بسند حسن].
فعمر قصير وسرعة في سير الزمان، ألا يستحق ذلك الانتباه والحرص على هذا العمر وهذا الوقت؟!، قال صلى الله عليه وسلم: «نِعْمَتانِ مَغْبُونٌ فِيهِما كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ والفَراغُ» [رواه البخاري (6412)].
مغبون فيهما: أي خاسر فيهما لأنه لم يستفد منهما حق الاستفادة، فلم يستفد من صحته ولم يستفد من وقت فراغه، وتحسر عند مرضه أنه لم يعمل صالحًا، وتحسر عند انشغاله أنه لم يعمل صالحًا.
العمر يا عباد الله محاسب عليه الإنسان، قال عليه الصلاة والسلام: «لا تزول قدما عبدٍ حتى يُسألَ عن عمُرهِ فيما أفناهُ، وعن علمِه فيما فعل، وعن مالِه من أين اكتسَبه وفيما أنفقَه، وعن جسمِه فيما أبلاهُ» [رواه الترمذي وقال: حسن صحيح (2417)].
وعنِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه قال: إني لَأَكْرَهُ أنْ أرى الرجلَ فارِغًا لا في عمَلِ دُنْيَا ولَا آخرَةٍ. [رواه الهيثمي في مجمع الزوائد (4/66) وفيه راو لم يسم وبقية رجاله ثقات].
إن الشباب والفراغ والجدة مفسدة للمرء أي مفسدة
[أبو العتاهية، سير أعلام النبلاء (10/196)].
يا عبدالله لا تنتظر من يتصدق عنك، لا تنتظر من يعمل صالحًا عنك، لا تنتظر أن ينطبق عليك قول الله تعالى: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر:24]، إن الحياة الحقيقية التي يجب أن تقدم لها، وأن تهتم بها هي حياة الآخرة، يا ليتني قدمت لحياتي في الدنيا من صالح الأعمال لحياتي هذه، التي لا موت بعدها، ما ينجيني من غضب الله، ويوجب لي رضوانه. [الطبري].
عن محمد بن أبي عميرة رضي الله عنه قال: لو أنَّ عبدًا خرَّ على وجهِهِ من يومِ وُلِدَ إلى يومِ يموتُ هَرمًا في طاعةِ اللهِ لحقَّرَهُ ذلك اليومَ، وُلوَدَّ أنَّهُ يُردُّ كَيْما يزدادَ منَ الأجرِ والثوابِ. [رواه أحمد (17650)].
مَنْ يَشْتَرِي قُبَّـــةً في العَدْنِ عَالِيــــةً *** في ظَلِّ طُوبى رَفِيْعَاتٍ مَبَانِيْهَــــا
دَلالُهَــا المصْطَفَى واللهُ بَائِعُهَــا *** وَجُبْرَئِيْل يُنَادِي في نَوَاحِيْهَـــــــــا
مَنْ يَشْتَرِيْ الدَّارِ في الفِرْدَوْسِ يَعْمُرَهَا *** بِرَكْعَةٍ في ظَلامِ اللَّيْلِ يُخْفِيْهَــــا
أَو سَدِّ جَوْعَةِ مِسْكِينٍ بِشِبْعَتِـــــــــــهِ *** في يَوْم مَسْغَبَةٍ عَمَّ الغَلا فِيْهَــــا
النَّفْسُ تَطْمَعُ في الدَّنْيَـــــا وَقَدْ عَلِمَتْ *** أَنَّ السَّلامَةَ مِنْهَا تَرْكُ مَا فِيْهَـــا
أَمْوَالُنَا لِذَوِي المِيْرَاثِ نَجْمَعُهَـــــــــا *** وَدَارُنا لِخَرَاِب البُومِ نَبْنِيْهَـــــا
لا دَارَ لِلْمَرْءِ بَعْدَ المَوتِ يَسْكُنُهَــــا *** إِلا التي كانَ قَبْلَ المَوْتِ يَبْنِيْهَــا
فَمَنْ بَنَاهَا بِخَيْر طَابَ مَسْكَنُـــــــهُ *** وَمَنْ بَنَاهَا بِشرِّ خَابَ بِانِيْهَـــــــــا
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم…
الخطبة الثانية:
احرص يا عبدالله على الاستفادة من هذا الصيف، واجعله لك مغنمًا، ولا تضيعه بكثرة اللغو والسهر واللهو، استزد فيه من قراءة كتابه الله عز وجل وحفظه، ومن تعلم سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم وحفظها، واجعل لك في هذا الصيف أهدافًا ولاتكن خاملا كاسلًا، فقد كان صلى الله عليه وسلم يستعيذ من العجز والكسل فيقول: «اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بكَ مِنَ العَجْزِ والكَسَلِ، والجُبْنِ والهَرَمِ، وأَعُوذُ بكَ مِن فِتْنَةِ المَحْيا والمَماتِ، وأَعُوذُ بكَ مِن عَذابِ القَبْرِ» [رواه البخاري (2823)].
لا تصحبِ الكَسَلانَ في حالاتِــه *** كم صالحٍ بفسادِ آخرَ يفســــــــــــدُ
عدوى البليدِ إلى الجليدِ سريعـةٌ *** والجمرُ يُوضعُ في الرمادِ فيخمــدُ
واعلموا أن الله تعالى قال قولا كريمًا تنبيهًا لكم وتعليمًا وتشريفًا لقدر نبيه وتعظيمًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾…