إن كل الناس يبحثون عن الراحة النفسية، فمنهم من يظنها في الجاه والسلطان، ومنهم من يظنها في المال، ومنهم من يظنها في الزوجة والعيال، ومنهم من يحيد عن ذلك إلى معصية الله والعياذ بالله فيزني أو يشرب الخمر أو يسمع الموسيقى ويرقص عليها، كل ذلك بحثًا عن الراحة النفسية.
وخالق النفس سبحانه وتعالى هو أعلم براحتها، وقد دلنا على أنواع النفس فبين أن هناك نفسًا مطمئنة وهي التي اطمأنت إلى جنب الله تعالى وذكره وعملت بطاعته سبحانه وتعالى، ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:27-30]، وهناك نفسًا لوامة تلوم صاحبها على ما فاتها من الخير وتلومه على فعل المعصية كذلك، قال تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة:1-2]، والثالثة النفس الأمارة بالسوء التي تأمر صاحبها بفعل المعصية، إن نفوسَ العباد، تأمرهم بما تهواه، وإن كان هواها في غير ما فيه رضا الله، (إلا ما رحم ربي) فينجيه من اتباع هواها وطاعتها فيما تأمرُه به من السوء، قال تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [يوسف:53].
أيها الأحباب الكرام: لقد بين لنا عز وجل خالقُ هذه النفس طريق راحتها فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:28].
فإذا ذكر العبد ربه جل وعلا اطمأنت نفسه، وإذا اطمأنت نفسه انشرح صدره، وإذا انشرح صدره حاز الراحة النفسية بإذن الله تعالى.
فحين يذكر العبدُ ربه يزول قلقه واضطرابه، وتحضره أفراحه ولذاته، وحقيق بهذه النفس وحريٌّ بها أن لا تطمئن لشيء سوى ذكره، فإنه لا شيء ألذُّ للقلوب ولا أشهى ولا أحلى من محبة خالقها، والأنسِ به ومعرفته، وعلى قدر معرفتها بالله ومحبتها له، يكون ذكرها له.
إذا مرضنا تداوينا بذكركمُ *** ونترك الذكرَ أحيانًا فننتكسُ
قال ابن القيم رحمه الله عن ذكر الله: به يستدفعون الآفات ويستكشفون الكربات وتهون عليهم به المصيبات، إذا أظلهم البلاءُ فإليه ملجؤهم، وإذا نزلت بهم النوازلُ فإليه مفزعهم، فهو رياض جنتهم التي فيها يتقلبون ورؤوس أموال سعادتهم التي بها يتجرون، يدع القلب الحزين ضاحكًا مسرورًا، ويوصل الذاكر إلى المذكور، بل يدع الذاكر مذكورًا.
وهو جلاء القلوب وصقالها ودواؤها إذا غشيها اعتلالها، وكلما ازداد الذاكر في ذكره استغراقًا، ازداد المذكور محبة إلى لقائه واشتياقًا، وإذا واطأ في ذكره قلبُهُ للسانه، نسي في جنب ذكره كل شيء، وحفظ الله عليه كل شيء وكان له عوضًا من كل شيء.
به يزول الوقر عن الأسماع، والبُكم عن الألسن، وتنقشع الظلمة عن الأبصار، زين الله به ألسنة الذاكرين كما زين بالنور أبصار الناظرين، فاللسان الغافل، كالعين العمياء والأذن الصماء واليد الشلاء، وهو باب الله الأعظم المفتوح بينه وبين عبده ما لم يُغلقه العبد بغفلته.
قال الحسن البصري رحمه الله: تفقدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء: في الصلاة وفي الذكر وقراءة القرآن، فإن وجدتم وإلا فاعلموا أن الباب مغلق. [مدارج السالكين – فصل منزلة الذكر].
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقولُ اللَّهُ تَعالَى: «أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بي، وأنا معهُ إذا ذَكَرَنِي، فإنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، وإنْ ذَكَرَنِي في مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَإٍ خَيْرٍ منهمْ، وإنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ بشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ ذِراعًا، وإنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ ذِراعًا تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ باعًا، وإنْ أتانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» [متفق عليه واللفظ للبخاري].
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله حين سجنوه: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، إن رُحت فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة.
وقال: المحبوس من حبس قلبه عن ربه، والمأسور من أسره هواه. [غذاء الألباب 2/368].
فانظروا يا رعاكم الله إلى من تعلق قلبه بالله عز وجل كيف قد حصلت له الراحة النفسية وإن كان مسجونًا، ولذكر الله عز وجل فوائد كثيرة منها طرد الشيطان وقمعه، وأنه يرضي الرحمن ويزيل الهم والغم عن القلب، ويجلب له الفرح والسرور، ويقوي البدن والقلب، ويجلب الرزق، ويكسي الذاكر المهابة والحلاوة والنضرة، ويورثه المحبة، فقد جعل الله لكل شيء سببًا، وجعل سبب المحبة دوام الذكر، فمن أراد أن ينال محبة الله عز وجل فليلهج بذكره، ويورث الذكر الذاكر المراقبة حتى يدخله في باب الإحسان فيعبد الله كأنه يراه، ويورثه الإنابة وهي الرجوع إلى الله والقرب منه، ويفتح له بابًا عظيمًا من أبواب المعرفة، ويورثه الهيبة لربه وإجلاله لشدة استيلائه على قلبه وحضوره مع الله بخلاف الغافل. [غذاء الألباب 2/383]. فاللهم اجعلنا من الذاكرين لك كثيرًا يا رب العالمين.
وصلوا وسلموا رحمكم الله على النبي الكريم إذ أمركم ربكم بذلك فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:56].