خطبة الثقة بالله تعالى

     لما كان النبي صلى الله عليه وسلم في غار ثور مع أبي بكر رضي الله عنه ووصل المشركون إلى الغار، فقال أبوبكر حينها للنبي صلى الله عليه وسلم: لو أنَّ أحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا، فَقَالَ – النبي صلى الله عليه وسلم له – : «ما ظَنُّكَ يا أبَا بَكْرٍ باثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا؟!» [رواه البخاري]، فأنزل الله تعالى: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:40].

     ثقة بالله عز وجل ويقينا به وحسن ظن بالله تعالى، وكذا قال موسى عليه السلام عندما رأى قومُه فرعونَ وجنوده خلفهم والبحرَ أمامهم والجبالَ عن يمينهم وشمالهم فقالوا كما ذكر الله عنهم: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ فرد عليهم موسى عليه السلام بقوله: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [طه:62]، وذلك لأن الله تعالى وَعَدَهُ والله لا يخلف الميعاد فقال له: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ﴾ [طه:46].

يقولون لي ما بالُ قلبكَ واثقــــــــــــــاً     ***وحولَكَ أمواجُ المصائبِ تعصفُ
فقلتُ لهم أني اعتصمتُ بخالقي***فمن أيّ شيءٍ يا تُرى أتخوف؟!

     وهذا ما يجب على المسلم، أن تكون عنده ثقة بربه جل وعلا، فيثق المسلمُ بقضاء الله تعالى وقدره، فمن حَكَمَ الله له بحكمٍ وقسم له بنصيب من الرزق أو الطاعة أو الحال أو العلم أو غيره فلابد من حصوله، ومن لم يُقسمْ له ذلك فلا سبيل إليه البتة… فإن الواثق بالله حقاً يعلم أن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ماأصابه من خير فبفضل الله ورحمته، وما أصابه من شر فبعدله وحكمته، فيشكر في الأولى، ويصبر للأخرى، كما قال صلى الله عليه وسلم: «عَجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ للْمُؤْمِن: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْراً لَهُ». [رواه مسلم].

     ويثق المؤمن بنصر الله عز وجل لأوليائه، وتأييده لجنده وأصفيائه، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١-١٧٣]، ويطمئن إلى توفيقه بوعده كاطمئنان أم موسى عليه السلام وهي تُلقي بفلذة كبدها في بحر تتخطفه المخاطر وتغشاه المهالك من كل جانب، ثقة منها بحفظ ربها له، وتصديقاً لوعده لها بقوله: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٧].

     وقد وعد الله عباده المؤمنين بوعد وسيتمه لهم سبحانه فقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚوَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٥٥].

     وهذا اليقين هو الثقة التي تعصم العبد بإذن الله تعالى من اليأس والقنوط، وتقيه من النكوص والسقوط، صحيح أننا نرى القوة بيد أعادئنا، والغلبة لهم علينا، في هذه الأيام، لكن لاننسى أن الله هو المتصرف بهذا الكون، وعينه لاتغفل عن عباده المؤمنين، قال عليه الصلاة والسلام: «الميزانُ بيدِ الرحمن، يرفعُ أقوامًا ويخفضُ آخرينَ» [صحيح الجامع برقم ٨٠٦٥].                    أقول قولي هذا…

الخطبة الثانية:

    إن من أقرب الأبواب إلى الثقة بالله تعالى: تدبّر القرآن، وتفهّم معانيه، والإكثار من ذكر الله تعالى، مع حضور القلب، وفقه المعنى، ومدارسة أسماء الله تعالى وصفاته، وإحصاؤها.

   فإن عاش المسلم في هذه الرحاب الفسيحة، انشرح صدره، واطمأنّ قلبه، وسكنت نفسه، ورضي بالله تعالى ربًّا، وبقضائه وقدره حظًّا ونصيبًا؛ فذاق طعم الإيمان الذي يغنيه ويكفيه.

   وأيقن أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن قضاء الله تعالى خير له من اختياره لنفسه.

     ولابد أن نثق بديننا وأنه دين كامل لايعتريه نقص أوخلل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، فلانقبل الترقيع أو الاستغناء عنه بغيره من المناهج الضالة غربية كانت أو شرقية.

يا أُمَّةَ الإسلامِ هَلْ مِنْ رجعةٍ؟ *** لِلدِّينِ حتى نجمعَ الأشتــــــاتِ

ويعودُ مجدٌ قد بناه رسولُنــا *** والصحبُ والأتبـــاعُ بالغَزَواتِ

في هَدْيِهِمْ سُنَنٌ تُضِئُ طريقَنـا *** وتُمَزِّقُ الأعداءَ في لَحَظَــاتِ

كانوا شِدَادَاً في الِّلقَاءِ ورحمـةً *** للمسلمين وطبَّقوا الآيــــــاتِ

أمراً بمعروفٍ ونهيــًا عن خنَى *** وتبـــادُلاً للنُّصحِ والخِبراتِ

وتآلفــاً وتكاتُفَــاً وتعاونـــــــــًا *** وتشــاوراً يهدي إلى الخيراتِ

     واعلموا عباد الله بأن الله تعالى قال قولا كريما تنبيها لكم وتعليما وتشريفا لقدر نبيه وتعظيما: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦].