الحمد لله الذي جعل الدين رباطًا متينًا بين قلوب المؤمنين، وأمر بالاتحاد والتعاون ونهى عن التفرق والتنازع في كتابه المبين، ففال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:46]، وأشهد أن لا إله إلا الله القوي المتين، وأشهد أن سيدنا محمدًا رسوله الصادق الأمين، ذو القلب الرحيم، والخلق العظيم، وسيد الأنبياء والمرسلين، اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وصحبه الطيبين المنصورين، الذي تعاونوا على البر والتقوى فكانوا هم الفائزين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، وبعد فاتقوا الله عباد الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:102].
في قول الله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ إخبار واضح، ونهي جازم، وسنة ثابتة، يدل على أن الفشل والتراجع على مستوى الأمة أو الجماعات أو الأفراد إنما مرجعه إلى التنازع والاختلاف.
ورتب عليه في الآية هنا أمرين: الفشل {فَتَفْشَلُواْ} وذهاب القوة {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}. لِأنَّ التَّنازُعَ يُفْضِي إلى التَّفَرُّقِ، وهو يُوهِنُ أمْرَ الأُمَّةِ. [ابن عاشور في التحرير والتنوير].
فالنزاع يؤدي للفشل والضعف، ولقد بين الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم لنا ذلك، فقد ذكر تعالى أن النزاع ضعف وفشل حتى لو كان في الألوهية، لو كان هناك أكثر من إله لاختلفوا فيما بينهم، وحاول كل منهم السيطرة على هذا الكون وذهب كل منهم بما خلق: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَٰهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون:٩١]، وهذا من الأدلة الواضحة على أنه لايوجد إله إلا الله الواحد الأحد الفرد الصمد سبحانه وتعالى.
ومن أنواع النزاع نزاع الحاكم مع شعبه، فإذا تنازع الحاكم مع شعبه كان دمارًا للبلد، وها نحن نرى ذلك مشاهدٌ في الدول التي اختلف شعبها مع حاكمها فتدمرت عافانا الله وإياكم من ذلك.
ومن أنواع النزاع نزاع القائد مع الجنود، فهو خسارة للمعركة، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:152]، روى البخاري رحمه الله عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: جَعَلَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ علَى الرَّجَّالَةِ يَومَ أُحُدٍ (والرجالة: الرماة) -وكَانُوا خَمْسِينَ رَجُلًا- عَبْدَ اللَّهِ بنَ جُبَيْرٍ، فَقالَ: «إنْ رَأَيْتُمُونَا تَخْطَفُنَا الطَّيْرُ فلا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ هذا حتَّى أُرْسِلَ إلَيْكُمْ، وإنْ رَأَيْتُمُونَا هَزَمْنَا القَوْمَ وأَوْطَأْنَاهُمْ، فلا تَبْرَحُوا حتَّى أُرْسِلَ إلَيْكُمْ». فَهَزَمُوهُمْ، (أي هزم المسلمون المشركون) قالَ -البراء -: فأنَا -واللَّهِ- رَأَيْتُ النِّسَاءَ يَشْتَدِدْنَ قدْ بَدَتْ خَلَاخِلُهُنَّ وأَسْوُقُهُنَّ رَافِعَاتٍ ثِيَابَهُنَّ، فَقالَ أَصْحَابُ عبدِ اللَّهِ بنِ جُبَيْرٍ: الغَنِيمَةَ أَيْ قَوْمِ الغَنِيمَةَ؛ ظَهَرَ أَصْحَابُكُمْ، فَما تَنْتَظِرُونَ؟ فَقالَ عبدُ اللَّهِ بنُ جُبَيْرٍ: أَنَسِيتُمْ ما قالَ لَكُمْ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؟ قالوا: واللَّهِ لَنَأْتِيَنَّ النَّاسَ، فَلَنُصِيبَنَّ مِنَ الغَنِيمَةِ. فَلَمَّا أَتَوْهُمْ صُرِفَتْ وُجُوهُهُمْ، فأقْبَلُوا مُنْهَزِمِينَ، فَذَاكَ إذْ يَدْعُوهُمُ الرَّسُولُ في أُخْرَاهُمْ.
فلما ذاقوا عاقبة معصيتهم للرسول صلى الله عليه وسلم، كانوا بعد ذلك أشد حذرًا ويقظة وتحرزًا من أسباب الخذلان، وفي هذا درس عظيم لنا معاشر المسلمين في هذه الأيام، فالذي نراه من تسلط الشر وأهله على المسلمين في أكثر بقاع الأرض، إنما هو نتيجة للوقوع في مخالفات شرعية حذر منها الشرع. [الشبكة الإسلامية].
ومن أنواع النزاع نزاع الزوج مع زوجته فهما إما أن يعيشا في مشاكل دائمة ولا يتربى الأولاد التربية السليمة، وإما أن يحدث الطلاق والدمار للأسرة والعياذ بالله.
ومن أنواع النزاع نزاع الأصدقاء والأحباب فهو سبيل للعداوة والبغضاء:،عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه قال: كانَ النَّاسُ إذا نزلوا منزلًا تفرَّقوا في الشِّعابِ والأوديةِ فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ: «إنَّ تفرُّقَكم في هذِهِ الشِّعابِ والأوديةِ إنَّما ذلِكم منَ الشَّيطان» فلم ينزل بعدَ ذلِكَ منزلًا إلَّا انضمَّ بعضُهم إلى بعضٍ حتَّى يقالَ لو بُسِطَ عليْهم ثوبٌ لعمَّهم. [رواه أبوداود].
الناظر أيها الأحباب الكرام في حال بلدنا هذه الأيام يجد تخلفًا كثيرًا عن ركب التقدم والتطور في ميادين عدة للأسف الشديد، في الميادين الصحية والتربوية والاقتصادية والرياضية وغيرها، وما ذاك إلا لوجود اختلاف بين الجماعات أو الأفراد أدى إلى تعطل التنمية والتطور وسبقنا غيرنا لذلك! لنُنحي الخلافات عن طريقنا ولنسع لطاعة ربنا ورسولنا صلى الله عليه وسلم ولنفع أمتنا وبلدنا وليكن شعارنا:
مِنَ اليَومِ تَعارَفنـــــــــــــــــــــــــا *** وَنَطوي ماجَرى مِنّـــــــا
وَلا كانَ وَلا صــــــــــــــــــــــــارَ *** وَلا قُلتُم وَلا قُلنـــــــــــا
وَإِن كــــــــــــــــــــــــــــانَ وَلا بُدٌّ *** مِنَ العَتبِ فَبِــــالحُسنى
فَقد قيلَ لَنــــــــــــــــــــــــــا عَنكُم *** كَما قيلَ لَكُم عَنّــــــــــــا
كَفى ما كــــــــــــــــــــانَ مِن هَجرٍ *** وَقد ذُقتُم وَقَد ذُقنــــــــــا
وَمــــــــــــــــــــــــــا أَحسَنَ أَن نَر *** جِعَ لِلوَصلِ كَمـــــا كُنّا
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه…
الخطبة الثانية:
الناس لا يتنازعون إلا إذا فقدوا الحِكمة، والإخلاص والتجرد لله تعالى والتوجه الصحيح، ولكن إذا كان الهوى المطاع هو الذي يُوجه الأفكار والآراء، فإن كل صاحب رأي يُصر على رأيه مهما تبين له أن الحق في غير ذلك، فتُصبح ذاته في كِفة والحق في كِفة أخرى، ويقضي بترجيح كفة ذاته على كفة الحق في كل الأحوال.
ومن هنا كان المخرج في تحكيم طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عند كل اختلاف في وجهات النظر.
وهذا الأمر يقتضي الكثير من الصبر والحكمة، لأن الصبر يحقق معية الله سبحانه وتعالى التي تستوجب النصر والفوز، والنجاح والفلاح، وكأن الله تعالى يقول لعباده المؤمنين: اصبروا فإني معكم.
عن عبدالله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: إنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في بَعْضِ أيَّامِهِ الَّتي لَقِيَ فِيهَا العَدُوَّ، انْتَظَرَ حتَّى مَالَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ قَامَ في النَّاسِ فَقَالَ: «أيُّها النَّاسُ، لا تَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ، وسَلُوا اللَّهَ العَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، واعْلَمُوا أنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ». [متفق عليه واللفظ للبخاري]. فلابد أن يصبر المسلمون على طاعة ربهم، ويصبروا على بعضهم البعض، ويصبروا على مجاهدة عدوهم «ومَن يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وما أُعْطِيَ أحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ» [رواه البخاري].