عباد الله، اتقوا الله تعالى، وقوموا بما أوجب الله عليكم من رعاية أولادكم وأهليكم، قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة، فإنكم رعاتهم والمسؤولون عنهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته». يا رجال الإسلام، اذكروا هذه الأمانة العظيمة، واشكروا الله على هذه النعمة التي حباكم بها، وقوموا بها على الوجه الأكمل، اسمعوا قول ربكم خالق الكون وعالم أسراره والمحيط بخفيه وظاهره ومستقبله وماضيه وحاضره اسمعوه يقول: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء:٣٤]، لم يجعلكم الله قوامين عليهن، إلا لعلمه بقصورهن عقلا ودينًا، لقد أكد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال في النساء: «ما رَأَيْتُ مِن نَاقِصَاتِ عَقْلٍ ودِينٍ أذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ مِن إحْدَاكُنَّ». فاعرفوا أيها الرجال هذا الفضل، وقوموا بهذه الأمانة، ولا تغلبنكم النساء على رجولتكم، ولا يلهينكم الشيطان عن رعاية أهليكم، ولا تشتغلوا بأموالكم عن الحفاظ على ما هو أهم وأولى.
عباد الله مشكلة النساء ليست بالمشكلة التي يُتهاون بها، وليست بالمشكلة الجديدة إنها مشكلة عظيمة يجب الاعتناء بها ودراسة ما يقضي على أسباب الشر والفساد، إنها مشكلة الوقت كله قديمًا وحديثًا، لقد كانت مشكلة بني إسرائيل، «أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ في النِّسَاءِ»، وهي مشكلة هذه الأمة قال النبي صلى الله عليه وسلم «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء». وهذا الحديث الثابت في الصحيحين يتضمن التحذير من هذه الفتنة العظيمة والسعي في القضاء على أسباب الشر قبل أن يستفحل.
وتكمن المشكلة في التبرج والاختلاط والتسكع في الأسواق، وكل ذلك مما نهى عنه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فالتبرج أن تستشرف المرأة للرجال باللباس والزينة والقول والمشية، ونحو ذلك مما تُظهر به نفسها للرجال، وتُوجب لفت النظر إليها، ولقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣]، ولقد توسع النساء في التبرج باللباس، فصارت المرأة تلبس للسوق من أحسن اللباس، وتضع عليه عباءة ربما تكون قصيرة لا تسترها، أو رهيفة، أو ترفعها عن أسفل جسمها، حتى يبين جمال ثيابها وزينتها، وربما شدت العباءة بيديها على جسمها، حتى يتبين حجمه، وكل هذا مما نهى الله عنه لقد قال تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١]، فإذا كان الله نهى عن الضرب بالرجل خوفا من سماع الخلخال المستور، فكيف بمن تلبس جميل الثياب، ثم ترفع العباءة عنه ليراه الناس بأعينهم، فيفتنهم، وإن الفتنة بما يُرى أعظم من الفتنة بما يُسمع قليس الخبر كالمعاينة. إذا كان الله نهى عن الضرب بالرجل؛ خوفا من سماع الخلخال، فكيف بمن تكشف عن ذراعيها لتظهر ما عليهما من الحلي والزينة ونعومة اليد؟ كأنما تقول للناس: انظروا إلى نعومة يدي، وإلى ما عليها من الحلي والزينة. وإن من التبرج أن تخرج المرأة متعطرة متطيبة، فإن هذا خلاف أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «وليخرجن تفلات»، أي: غير متطيبات، وقال: «إذا خرجت إحداكن للمسجد، فلا تمس طيبا»، وقال صلى الله عليه وسلم: «إن المرأة إذا استعطرت، فمرت بالمجلس، فهي كذا وكذا يعني زانية». [رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح]. ولقد كثرت الزينة والتطيب في أيام الأعراس تخرج النساء من بيوتهن في أحسن ثيابهن مما يثير، ويهيج الشر. وأما اختلاط النساء بالرجال، ومزاحمتهن لهم، فهذا موجود في كثير من محلات البيع والشراء، وهو خلاف الشرع، فلقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم من المسجد، وقد اختلط النساء مع الرجال في الطريق، فقال صلى الله عليه وسلم للنساء: «استأخرن، فإنه ليس لكن أن تحتضن الطريق، عليكن بحافات الطريق»، فكانت المرأة تلصق بالجدار حتى إن ثوبها ليعلق به، ولقد رغب النبي صلى الله عليه وسلم أمته عن اختلاط النساء بالرجال حتى في أماكن العبادة، فقال صلى الله عليه وسلم: «خير صفوف النساء آخرها وشرها أولها» ، وإنما كان آخر صفوفهن خيرا لبعده عن الرجال ومخالطتهم ورؤيتهم لهن، ألم يكن في هذا أوضح دليل على محبة الشرع لبعد المرأة عن الرجال واختلاطها بهم؟
وأما التسكع في الأسواق، والتمشي فيها، فما أكثر من يفعله من النساء تخرج المرأة من بيتها لغير حاجة، أو لحاجة يسيرة يمكن أن يأتي بها أحد من في البيت من الرجال أو الصبيان. ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وبيوتهن خير لهن». فبيت المرأة خير لها حتى من المسجد، فكيف بغيره، وأن هذا الحديث الصحيح ليدل على أنه يجوز للرجل أن يمنع المرأة من الخروج للسوق ما عدا المسجد، ولا إثم عليه في ذلك، ولا حرج. أما منعها من التبرج والتعطر عند الخروج، فإنه واجب عليه ومسئول عنه يوم القيامة.
أيا أختاه ما أبهى الخمارا وما أغلى الجمال إذا توارى
تسيرين الهوينى غير أني أرى زهوا بخطوك وانتصارا
تركت الجاهلية في اعتزاز وآثرت الكرامة والفخارا
أيا أختاه كم أشفقتُ يومًا عليك وقد غلى قلبي وفارا
وكم ساءلت نفسي في اكتئاب أترضين المهانة والصغارا
أمسلمة وهمك أن تعيشي ليفتن حُسنُك القومَ الحيارى
أمسلمة وفي الإسلام عز وأنت صغيرة تغوي الصغارا
أما تبغين عند الله أجرًا أما تخشين بعد الموت نارا
أما يُضنيك ما يجري لقومي من الأهوال ليلا أو نهارا
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم…
الخطبة الثانية:
إن على المرأة يا عباد الله إذا خرجت أن تخرج بسكينة وخفض صوت، ولا تمشي كما يمشي الرجل بقوة تضرب الأرض برجلها، وتهز كتفيها، وترفع صوتها، قالت أم سلمة رضي الله عنها: لما نزلت هذه الآية: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٩]، خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من السكينة، وعليهن أكسية سود يلبسنها. هذه صفات نساء المؤمنين، فاقتدوا بهن لعلكم تفلحون، ولا تغرنكم الحياة الدنيا وزينتها، ولا يغرنكم من لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، فإن هذا التبرج والثياب القصيرة والضيقة، إنما صنعت تقليدًا لهم، وإن أعداءكم يعلمون أنهم لو دعوكم إلى الكفر ما كفرتم، ولو دعوكم إلى الشرك ما أشركتم، ولكن يرضون منكم أن يَهدموا أخلاقكم ودينكم من جهات أخرى، من جهة مُحقرات الذنوب التي يُحقرونها في أعينكم، فتحتقرونها، وتأتونها حتى تنزل بكم إلى النار. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الشَّيطانَ قد يَئِسَ أن تُعْبَدُ الأصنامُ في أرضِ العَربِ ، ولكنَّهُ سَيَرضى منكُم بدونِ ذلكَ بالمحقَّراتِ ، وهيَ الموبِقاتُ يومَ القيامةِ». فاتقوا الله أيها المسلمون، ولا تنخدعوا بما يُقدمه لكم أعداؤكم، إنكم الآن على مُفترق طرق فُتحت عليكم الدنيا، وانهال عليكم الأعداء، قدم البعض منهم إلى بلادكم بعاداتهم السيئة وتقاليدهم المنحرفة، وسافر البعض منكم إلى بلادهم، وشاهدتموهم في وسائل الإعلام.
فإما أن يكون في دينكم صلابة تتحطم عليها مكايد الأعداء، وفيكم قوة الشخصية الإسلامية، فلا تقتدون بهم، ولا تغترون بهم، وتتمسكون بما كان عليه أسلافكم الصالحون، فتنالون خير الدنيا والآخرة. وإما أن يكون الأمر بالعكس لين في الدين، وضَعْفٌ في الشخصية، وانهيار أمام المثيرات، فتبوؤن بالصفقة الخاسرة: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر:١٥].
قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣٠ -٣١].