عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة رضي الله عنها: «ما يمنعك أن تسمعي ما أوصيك به، أن تقولي إذا أصبحت وإذا أمسيت: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين» [رواه النسائي في السنن الكبرى، والحاكم في المستدرك وانظر الصحيحة (227) بإسناده حسن].
هذا الدعاء من أعظم الأدعية التي تتضمن تحقيق العبودية لله رب العالمين، وتتضمن التوسل إلى الله تعالى بأسمائه وصفاته، فهو سبحانه الحي القيوم، الرحمن الرحيم، والعبد يستمد العون والتأييد من قيوميته عز وجل، كما يستغيث برحمته التي وسعت كل شيء، لعله ينال منها ما يسعده في دنياه وآخرته.
ثم يسأل الله تعالى صلاح الأمور والأحوال، فيقول: أصلح لي شأني كله أي: جميع أمري: في بيتي، وأهلي، وجيراني، وأصحابي، وعملي، ودراستي، وفي نفسي، وقلبي، وصحتي…في كل شيء يتعلق بي، اجعل يا رب الصلاح والعافية حظي ونصيبي.
وذلك كله من فضل الله سبحانه وتعالى، وليس باستحقاق العبد ولا بجاهه، ولذلك جاء ختم الدعاء بالاعتراف بالفقر التام إليه سبحانه، والاستسلام الكامل لغناه عز وجل، فيقول: ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين: أي لا تتركني لضعفي وعجزي لحظة واحدة، بل أصحبني العافية دائمًا، وأعني بقوتك وقدرتك، فإن من توكل على الله كفاه، ومن استعان بالله أعانه، والعبد لا غنى به عن الله طرفة عين. [الإسلام سؤال وجواب (١٠٩٦٩٦)].
وكما أن العبد محتاج لربه جل وعلا في إصلاح شأنه لابد كذلك أن يبذل الأسباب في إصلاح أموره كلها والتي من أهمها مجاهدة نفسه على طاعة الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩].
وهناك عوامل تساعد المرء في مجاهدته لنفسه منها: المداومة على العمل الصالح كما جاء في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: «أدومها وإن قل»، وعنهاأنه صلى الله عليه وسلم قال: «اكلفوا من العمل ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل، وكان إذا عمل عملا أثبته» [رواه أبوداود].
ومن العوامل المساعدة في صلاح النفس: البعد عن مواطن الإثم والفساد ففي حديث الرجل الذي «قتل تسعة وتسعين نفسًا، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على راهب، فأتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسًا، فهل له من توبة، فقال: لا، فقتله فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على رجل عالم، فقال: إنه قتل مائة نفس، فهل له من توبة، فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة، انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناسًا يعبدون الله، فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك، فإنها أرض سوء» [رواه مسلم].
فانظر كيف نبهه العالم على ضرورة ترك البيئة الفاسدة والحذر منها.
لا تصحب الكسلان في حاجاته كم صالح بفساد آخر يفسدُ
عدوى البليد إلى الجليد سريعة والجمر يوضع في الرماد فيخمدُ
ومن العوامل المساعدة على صلاح النفس يا عباد الله: التدرج معها في الأمور، والتدرج سنة إلهية فلم يحرم الله عز وجل الخمر على المسلمين من أول الأمر لعلمه بتعودهم عليه وصعوبة ذلك على نفوسهم، فعن عمرو بن شرحبيل رضي الله عنه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت هذه الآية التي في سورة البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ [البقرة:219]، قال: فدعي عمر رضي الله عنه فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت الآية التي في سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء:43]، فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقام الصلاة نادى لا يقربن الصلاة سكران، فدعي عمر رضي الله عنه فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت الآية التي في المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة:90]، إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة:91]، فدعي عمر رضي الله عنه فقرئت عليه فلما بلغ: ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ قال: فقال عمر: انتهينا، انتهينا. [رواه أحمد والنسائي وصححه الألباني].
فتدرج مع نفسك لتصلحها ولاتحملها الأمور الكبيرة فجأة.
ومن العوامل المساعدة في صلاح النفس: تحفيز النفس اللوامة التي تلوم صاحبها على فعل المعصية، ومعاتبة النفس ومعاقبتها عند فعل المعصية فإذا فاتتك طاعة فعاقب نفسك بفعل طاعة جديدة عليها تخزي بذلك الشيطان وتسطير على نفسك وتسوسها، ولاتترك لها الأمر فيغويك الشيطان ويبعدك عن طريق الرحمن.
قال المقدسي رحمه الله: اعلم أن المؤمن إذا حاسب نفسه فرأى منها تقصيرا أو فعلت شيئا من المعاصي، فلا ينبغي أن يهملها، فإنه يسهل عليه حينئذ مقارفة الذنوب ويعسر عليه فطامها، بل ينبغي أن يعاقبها عقوبة مباحة كما يعاقب أهله وولده، وكما روي عن عمر أنه خرج إلى حائط له ـ أي: بستان ـ ثم رجع وقد صلى الناس العصر، فقال: إنما خرجت إلى حائطي، ورجعت وقد صلى الناس العصر، حائطي صدقة على المساكين … أما العقوبات التي فيها إضرار بالبدن أو ارتكاب منهي عنه فلا تجوز … فإنه ليس للإنسان أن يتصرف في نفسه بمثل هذا. [انتهى بتصرف من مختصر منهاج القاصدين].
الخطبة الثانية:
من العوامل المساعدة في صلاح النفس: ترويح النفس بالمباح، قال: لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ، فَقالَ: كيفَ أَنْتَ يا حَنْظَلَةُ؟ قالَ: قُلتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ، قالَ: سُبْحَانَ اللهِ! ما تَقُولُ؟ قالَ: قُلتُ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ يُذَكِّرُنَا بالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حتَّى كَأنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِن عِندِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، عَافَسْنَا الأزْوَاجَ وَالأوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ، فَنَسِينَا كَثِيرًا، قالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَاللَّهِ إنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هذا، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حتَّى دَخَلْنَا علَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، قُلتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ، يا رَسُولَ اللهِ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: «وَما ذَاكَ؟» قُلتُ: يا رَسُولَ اللهِ، نَكُونُ عِنْدَكَ، تُذَكِّرُنَا بالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حتَّى كَأنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِن عِندِكَ، عَافَسْنَا الأزْوَاجَ وَالأوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ، نَسِينَا كَثِيرًا، فَقالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ، إنْ لَوْ تَدُومُونَ علَى ما تَكُونُونَ عِندِي وفي الذِّكْرِ، لَصَافَحَتْكُمُ المَلَائِكَةُ علَى فُرُشِكُمْ وفي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. [رواه مسلم].
وأخيرًا عليك بكثرة الدعاء: إذا أصبحت وإذا أمسيت: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين.