ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم

     قال تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:74].

     عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الحلال بيِّن، وإن الحرام بيِّن، وبينهما مُشتبهات لا يعلمهنَّ كثير من الناس، فمَن اتَّقى الشبهات استبرأ لدينه وعِرضه، ومَن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يَرعى حول الحمى يوشِك أن يرتعَ فيه، ألا وإن لكل ملك حمىً، ألا وإن حمى الله محارمَه، ألا وإن في الجسد مُضغة، إذا صَلحت صلح الجسد كله، وإذا فسَدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب))؛ متفق عليه.

     هذا هو القلب.. رمز الحب والسعادة، ورمز الحياة والإيمان بقُدرة الله تعالى، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:21]. [من مقال د.محمد السقا موقع الألوكة].

     ذَكَر النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كَلمةً جامعةً لصَلاحِ حرَكاتِ بَني آدَمَ وفَسادِها، وهي أنَّ أساسَ صلاحِ الجَسدِ كُلِّه وأساسَ فسادِه مبنيٌّ على صلاحِ القَلْبِ وفَسادِه؛ فإذا صلَحَ القلبُ صلَحَت إرادتُه، وصلَحَت جَميعُ الجوارحِ، فلم تَنبعِثْ إلَّا إلى طاعةِ اللهِ، واجتنابِ سَخَطِه، فقَنِعَتْ بالحلالِ عن الحرامِ، وإذا فسَد القلبُ فسَدَت إرادتُه، ففسَدَتِ الجوارحُ كلُّها، وانبعثَتْ في مَعاصي اللهِ عزَّ وجلَّ، وما فيه سَخَطُه، ولم تَقنَعْ بالحلالِ، بلْ أسرَعَتْ في الحرامِ بحسَبِ هَوى القلبِ ومَيلِه عنِ الحقِّ. [شرح موقع درر السنية].

     أن المدار في الصلاح والفساد على القلب، إذا صلح. صلح الجسد كلّه، وإذا فسد. فسد الجسد كله. ويتفرّع على هذه الفائدة: أنه يجب العناية بالقلب أكثر من العناية بعمل الجوارح؛ لأن القلب عليه مدار الأعمال، والقلب هو الذي يُمتحن عليه الإنسان يوم القيامة، كما قال الله تعالى: ﴿أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات: ٩-١٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: ٨-٩].

     فطهّر قلبك من الشرك والبدع والحقد على المسلمين والبغضاء، وغير ذلك من الأخلاق أو العقائد المنافية للشريعة، فإن القلب هو الأصل.

     في الحديث ردٌّ على العصاة الذين إذا نهوا عن المعاصي قالوا: التقوى هاهنا وضرب أحدهم على صدره، فاستدل بحق على باطل؛ لأن الذي قال: «التَّقْوَى هَاهُنَا»، هو النبي صلى الله عليه وسلم ومعناه في الحديث: إذا اتقى ما هاهنا اتّقت الجوارح، لكن هذا يقول: التقوى هاهنا يعني: إنه سيعصي الله والتقوى تكون في القلب. والجواب عن هذا التشبيه والتلبيس سهل جِدًّا بأن نقول: لو صلح ما هاهنا، صلح ما هناك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّه، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ».

     أن تدبير أفعال الإنسان عائد إلى القلب، لقوله: «إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كله وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ». وهل في هذا دليل على أن العقل في القلب؟ والجواب: نعم، فيه إشارة إلى أن العقل في القلب، وأن المدبر هو القلب مع أن القرآن شاهد بهذا. [ابن عثيمين – شرح الأربعين].

    ولا يكون الذكر لله ذكرا يثمر هذه الثمرة، التي يطمئن بها القلب، إلا إذا انبعث من قلب عارف بالله، مدرك لما ينبغى له سبحانه، من صفات الكمال والجلال، فذلك هو الذي يفيض على القلب خشية عند ذكر الله، وهو الذي يستثير مشاعر الولاء لله، والإخبات له، فتقشعر الجلود، وتدمع العيون.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:2]، وقوله سبحانه: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج:34 – 35]، وقوله جلّ شأنه ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:23]، فإذا ذكر المؤمن ربه، وقد تلبست به تلك الحال، واستولت عليه هذه المشاعر، قرب من الله، ودنا من مواقع رحمته، وأحسّ برد السكينة يغمر قلبه، ووجد ريح الأمن والطمأنينة تهبّ عليه، معطرة الأنفاس، زاكية الأرواح.

ويروى أن قيس بن الملوح (مجنون ليلى) وهو في زحمة الحجيج بمنى، سمع إنسانا يهتف بمن اسمها ليلى، بل لعله عرف المجنون، فأراد أن يهيج لواعجه، ويحرك أشجانه، فهتف بهذا الاسم، كأنه يستدعى ابنة أو زوجًا له.. وأيّا ما كان، فقد أثار هذا النداء بيا «ليلى» ثائرة المجنون، وحرك بلابل أشجانه، وعرته حال من الصبابة والوجد. كان وصفه لها في هذين البيتين، تصويرًا لبعض ما استطاع أن يمسك به من مشاعره.. يقول المجنون:

وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى*** فهيّج أشجان الفؤاد وما يدري

دعا باسم «ليلى» غيرها فكأنما *** أهاج «بليلى» طائرًا كان في صدري!

[التفسير القرآني للقرآن، لعبد الكريم الخطيب].

فلماذا لا نقبل على رمضان بقلب يعشق الطاعة؟!

قلب يحن للخلاص من ظلمة المعصية إلى نور الإيمان!

قلب يطير على جناح الشوق إلى مولاه!

قلب يكون شعاره ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ﴾!

    فأقبل على ربك في رمضان بقلب كأنه ولد من جديد، ولم يتلطخ بمعصية، وليس فيه شوق إلا إلى خالقه، واعلم أن القلب المقبل على الله لا يجد عناء ولا مشقة، قال ابن القيم رحمه الله: اطلب قلبك في ثلاثة مواضع: عند سماع القرآن، وفي مجالس الذِّكر، وفي أوقات الخَلوة، فإن لم تجده في هذه المواطن، فاسأل الله أن يعطيك قلبًا؛ فإنه لا قلب لك. [الفوائد لابن القيم (1/149)].

     عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ ضَافَهُ ضَيْفٌ وَهو كَافِرٌ، فأمَرَ له رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ بشَاةٍ فَحُلِبَتْ، فَشَرِبَ حِلَابَهَا، ثُمَّ أُخْرَى فَشَرِبَهُ، ثُمَّ أُخْرَى فَشَرِبَهُ، حتَّى شَرِبَ حِلَابَ سَبْعِ شِيَاهٍ، ثُمَّ إنَّه أَصْبَحَ فأسْلَمَ، فأمَرَ له رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ بشَاةٍ، فَشَرِبَ حِلَابَهَا، ثُمَّ أَمَرَ بأُخْرَى، فَلَمْ يَسْتَتِمَّهَا، فَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: «المُؤْمِنُ يَشْرَبُ في مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَشْرَبُ في سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ» [رواه مسلم].

     والمراد: أنَّ المؤمنَ يَأكُلُ بأدَبِ الشَّرعِ، فيَأكُلُ في مِعًى واحدٍ، ويُبارَكُ له في القَليلِ، والكافِرَ يَأكُلُ بمُقْتَضَى الشَّهوةِ والشَّرَهِ والنَّهَمِ، فيَأكُلُ في سَبْعةِ أمعاءٍ، حتَّى يَملأَ طَبقاتِ أمعائِه كُلِّها، وهذا تَمثيلٌ لرِضَا المؤمنِ بِاليَسيرِ مِنَ الدُّنيا، وحِرْصِ الكافرِ على الكَثيرِ مِنها، وهو إعلامٌ بأنَّ هَمَّ المؤمِنِ مَرضاةُ ربِّه تعالَى لا التَّوسُّعُ في المأْكولِ؛ فيَكْفيهِ القليلُ، وعكْسُه الكافرُ؛ فهَمُّه الاستمتاعُ بالطَّيِّباتِ في حَياتِه الدُّنيا، فيَأكُلُ بنَهَمٍ وشَراهةٍ ولا يَكتفي؛ فكأنَّه يَأكُلُ في سَبعةِ أمعاءٍ مع عدَمِ وُجودِ البركةِ. [شرح موقع درر السنية].

الإيمان إذا لامس شغافُ القلب حوله من حالٍ إلى حال. من فقد الله فقد كل شيء.

للَّه نورٌ إن أردّت بلوغَه.. فاسكُبْ دمُوعَ الشّوقِ في الخلواتِ

قُمْ ناد ربّك وادعُوه ليثبّتكَ.. فهُو المجيبُ وسامعُ الدعوات

     ولأجل هذا كان من أعظم ما وصف الله به أهل الجنة من النعيم أن قال سبحانه: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾، وعند مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: «يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير» يعني في رقتها وخشوعها وخضوعها لله وخوفها منه، ضعيفة أنهكها الخوف والحذر.

     في صلاح القلوب نجاة وفي صلاحها سعادة وطمأنينة، والسبيل إلى ذلك في القرب من الله في توحيده وطاعته وعبادته، في ذكره تلاوة كتابه ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾، في إكرام المسكين والعطف على المسكين، روى أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ رجلا شكا إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قسوةَ قلبِه فقال له: «إنْ أردتَ تَليينَ قلبِكَ فأطعمِ المسكينَ وامسحْ رأسَ اليتيمِ» [رواه أحمد وضعفه أحمد شاكر وصححه الألباني في الصحيحة (854)]، في اللين مع الناس والتلطف معهم معاملة وتحدثا رفقًا بهم والتماسًا للعذر والبعد عن التعنيف والجفاء، روى الترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حُرّم على النار كل هين لين سهل قريب من الناس»، وروى ابن ماجه عن عبدالله بن عمر قال: قيل يا رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس أفضل قال: «كل مخموم القلب صدوق اللسان»، قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: «هو التقي النقي لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد».