بئسما جزتها!

     عن عمران بن حصين – رضي الله عنه – قال: أسرت امرأة من الأنصار، وأصيبت العضباء، فكانت المرأة في الوثاق، وكان القوم يريحون نعمهم بين يدي بيوتهم، فانفلتت ذات ليلة من الوثاق، فأتت الإبل، فجعلت إذا دنت من البعير رغا فتتركه، حتى تنتهي إلى العضباء، فلم ترغ. قال: وناقة منوقة. فقعدت في عجزها ثم زجرتها فانطلقت. ونذروا بها فطلبوها فأعجزتهم. قال: ونذرت لله؛ إن نجاها الله عليها لتنحرنها، فلما قدمت المدينة رآها الناس، فقالوا: العضباء، ناقة رسول الله، فقالت: إنها نذرت؛ إن نجاها الله عليها لتنحرنها. فأتوا رسول الله ﷺ فذكروا ذلك له. فقال: «سبحان الله! بئسما جزتها، نذرت لله إن نجاها الله عليها لتنحرنها، لا وفاء لنذر في معصية، ولا فيما لا يملك العبد» [رواه مسلم]. منوقة: أي مؤدبة.

   أي بئس الجزاء الذي جزت المرأة للعضباء، والمخصوص بالذم نذرها يعني أنها جزت إحسان الناقة بالإساءة إليها؛ فإن الناقة تسببت لنجاة المرأة من الكفار فجزت بنذر أن تنحرها. [محمد الأمين الهرري في الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (١٨/ ١٧٢ -١٧٣)].

     قال الله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:60]، وقد سئل عليه الصلاة والسلام عن الإحسان فبين أنه أعلى درجات الإيمان وعرفه لنا فقال: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» [متفق عليه].

     والإحسان في حق الخالق – جل وعلا – أن تبني عبادتك على الإخلاص لله تعالى والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلما كنت أخلص وأتبع كنت أحسن. [شرح الأربعين النووية لابن عثيمين رحمه الله ص67].

     والله جل وعلا حثنا على الإحسان فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل:90]، ومدح نفسه سبحانه بإحسانه في خلقه فقال: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ﴾ [السجدة:7]، وهو سبحانه وتعالى مع المحسنين بتأييده ونصره ومعونته وهذه معية خاصة قال جل ذكره: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ [النحل:128]، والمحسنون قريبون من رحمة الله تعالى، قال جل وعلا: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:56]، وأخبرنا صلى الله عليه وسلم بأن الإحسان يكون في كل شيء وليس مقتصرًا على العبادات فقال: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإحْسَانَ علَى كُلِّ شيءٍ» [رواه مسلم]، فنُحسن عند مواجهة الملمات والصبر عليها، ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [هود:115]، وعند مجاهدة النفس وكظم الغيظ أحسن، ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:134]،   قال صلى اله عليه وسلم: «مَن كَظَمَ غيظًا وهو قادرٌ على أن يَنْفِذَه دعاه اللهُ عزَّ وجلَّ على رؤوسِ الخلائقِ يومَ القيامةِ حتى يُخَيِّرُه اللهُ مِن الحُورِ ما شاءَ». [رواه أبوداود].

     وعند التحاور مع إخوانك في الله عز وجل أحسن، ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾ [الإسراء:53]، وعند حصول خصومة وخلاف بينك وبين الآخرين أحسن، ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:34]، وعند معاملة اليتامى والضعفاء أحسن، ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام:152]، في رد السلام على المسلمين أحسن، ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء:86]، وفي الإنفاق أحسن ولا تسرف ولا تبخل، كما في قصة قارون حين قال له قومه: ﴿وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص:77]، لكنه لم يحسن فماذا كان عقابه، قال جل وعلا: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ﴾ [القصص:81].

     قال عليه الصلاة والسلام عن عدم الإحسان في الإنفاق والتكبر على الناس بالهيئة والمال: «بيْنَما رَجُلٌ يَتَبَخْتَرُ، يَمْشِي في بُرْدَيْهِ قدْ أعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ، فَخَسَفَ اللَّهُ به الأرْضَ، فَهو يَتَجَلْجَلُ فيها إلى يَومِ القِيامَةِ» [رواه مسلم].

     فالذي يَقصدُ بلباسه الحَسنِ إظْهارَ نِعمةِ اللهِ عليه، مُستَحضِرًا لها، شاكِرًا عليها، غيرَ مُحتَقِرٍ لمن ليس له مِثلُه؛ لا يَضرُّهُ ما لَبِسَ مِن المباحاتِ، ولو كان في غايةِ النَّفاسةِ؛ ففي صَحيحِ مُسلِمٍ، عنِ ابنِ مَسعودٍ رَضيَ اللهُ عنه، أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: «لا يَدخُلُ الجنَّةَ مَن كان في قَلبِه مِثقالُ ذرَّةٍ مِن كِبرٍ». قال رَجلٌ: إنَّ الرَّجلَ يُحِبُّ أنْ يكونَ ثَوبُه حَسنًا، ونَعلُه حَسنةً. قال: «إنَّ اللهَ جَميلٌ يُحِبُّ الجَمالَ، الكِبرُ بَطَرُ الحقِّ، وغَمْطُ النَّاسِ». أي: رد الحق واحتقار الناس.

     وأخيرًا: بشرنا صلى الله عليه وسلم فقال: «مَن أحسن فيما بقي، غُفِر له ما مضى، ومَن أَسَاء فيما بقي، أُخِذ بما مضى وما بقي» [صحيح التَّرغيب: (3156)].

     فلنحرص يا عباد الله على الإحسان فيما تبقى لنا من أعمار، حتى يغفر الله لنا ما مضى، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لنا خَطِيئَاتنا وَجَهْلنا، وإسْرَافنا في أَمْرِنا، وَما أَنْتَ أَعْلَمُ به مِنّا، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لنا جِدِّنا وَهَزْلِنا، وَخَطَئِنا وَعَمْدِنا، وَكُلُّ ذلكَ عِندنا، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لنا ما قَدَّمْنا وَما أَخَّرْنا، وَما أَسْرَرْنا وَما أَعْلَنّا، وَما أَنْتَ أَعْلَمُ به مِنّا، أَنْتَ المقَدِّمُ وَأَنْتَ المؤَخِّرُ، وَأَنْتَ علَى كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ.

﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:23].