عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قَامَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في صَلَاةٍ وقُمْنَا معهُ، فَقَالَ أعْرَابِيٌّ وهو في الصَّلَاةِ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي ومُحَمَّدًا، ولَا تَرْحَمْ معنَا أحَدًا. فَلَمَّا سَلَّمَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قَالَ لِلْأَعْرَابِيِّ: «لقَدْ حَجَّرْتَ واسِعًا». يُرِيدُ رَحْمَةَ اللَّهِ. [رواه البخاري]. أي: ضيَّقْتَ وخصَّصْتَ ما هو عامٌّ مِن فَضلِ الله سبحانه وجُودِه ورحمتِه الَّتي وسِعَتْ كلَّ شيءٍ، فإنَّ اللهَ سبحانه يقول: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: 156].
قال ابن حجر رحمه الله عن الأعرابي أنه هو: الذي بال في المسجد، وأنه ذو الخويصرة اليماني، وقيل: الأقرع بن حابس. [فتح الباري شرح صحيح البخاري – كتاب الأدب – باب رحمة الناس والبهائم (10/453)].
ولا يهمنا من هو، ولكنه دليل على جهله بأحكام الشريعة الإسلامية.
ولنعلم جميعا بأن رحمة الله تعالى تسع حتى العصاة: قال صلى الله عليه وسلم: «أن امرأة بغيا رأت كلبا في يوم حار يطيف ببئر، قد ادلع لسانه من العطش، فنزعت له بموقها، فغفر لها» [رواه مسلم].
وعَن أبي طويلٍ شَطَبٍ الممدودِ رضيَ اللَّهُ تعالى عنهُ أنَّهُ أتى النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ: أرأيتَ مَن عمل الذنوبَ كلَّها، ولم يتركْ منها شيئًا، وهو في ذلك لم يترك حاجةً ولا داجةً إلا أتاها، فهل لذلك من توبةٍ؟ قال: «فهل أسلمتَ؟» قال: أما أنا فأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ، وأنك رسولُ اللهِ قال: «تفعل الخيراتِ، وتترك السيئاتِ، فيجعلهنَّ اللهُ لك خيراتٍ كلِّهنَّ» قال: وغَدَراتي وفَجَراتي؟ قال: «نعم» قال: اللهُ أكبرُ، فما زال يُكبِّرُ حتى تَوارَى. [صحيح الترغيب: (3164)]. ﴿ إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. [الفرقان:70].
ورحمة الله جل وعلا قريبة من المؤمنين: عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك» [متفق عليه].
وحذر صلى الله عليه وسلم فقال: «لا تنزع الرحمة إلا من شقي» [رواه الترمذي وحسنه].
ذلك: لأن الرحمة في الخلق رقة القلب، ورقته علامة الإيمان، ومن لا رقة له لا إيمان له، ومن لا إيمان له شقي، فمن لا يرزق الرقة شقي. [ذكره الطيبي، نقلا عن فيض القدير للمناوي (6/519) حديث (9870)].
ونحن مأمورون بالدعاء لإخواننا لا الدعاء بحرمانهم من رحمة الله تعالى: قال ابن بطال رحمه الله: أنكر – صلى الله عليه وسلم – على الأعرابي لكونه بخل برحمة الله على خلقه، وقد أثنى الله – تعالى – على من فعل خلاف ذلك حيث قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾. [الحشر:10، فتح الباري شرح صحيح البخاري – كتاب الأدب – باب رحمة الناس والبهائم (10/453)].
بعد هذا الموقف يذهب الأعرابي أمام الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم أجمعين ويبول في زاوية المسجد، والمسجد كان من تراب، فأراد صحابة النبي صلى الله عليه وسلم ضربه ومنعه، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: دَعُوهُ، وأَهْرِيقُوا علَى بَوْلِهِ ذَنُوبًا مِن مَاءٍ -أوْ سَجْلًا مِن مَاءٍ- فإنَّما بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ ولَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ» [رواه البخاري].
وهذا دليل على سعة رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي بعث بها للناس كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:107].
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: فانظر إلى الحكمة في معاملة الجاهل، هذا رجل يبول في أشرف بقعة على الأرض بعد المسجد الحرام، وأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يتركوه حتى يقضي بوله ثم كلمه بهذا اللطف عليه الصلاة والسلام. [فتاوى نور على الدرب، رقم الشريط (337) هل يحمد الله إذا عطس في الصلاة؟].
قال صلى الله عليه وسلم: «جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِئَةَ جُزْءٍ، فأمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وتِسْعِينَ جُزْءًا، وأَنْزَلَ في الأرْضِ جُزْءًا واحِدًا، فَمِنْ ذلكَ الجُزْءِ يَتَراحَمُ الخَلْقُ، حتَّى تَرْفَعَ الفَرَسُ حافِرَها عن ولَدِها، خَشْيَةَ أنْ تُصِيبَهُ» [رواه البخاري].
وقال: «مَن لا يَرْحَمُ لا يُرْحَمُ» [رواه البخاري].
وقال الأستاذ سيد قطب رحمه الله: “إنها الرحمة الواسعة التي تسع كل معصية كائنة ما كانت وإنها الدعوة للأوبة. دعوة العصاة المسرفين الشاردين المبعدين في تيه الضلال. دعوتهم إلى الأمل والرجاء والثقة بعفو الله. إن الله رحيم بعباده وهو يعلم ضعفهم وعجزهم، ويعلم العوامل المسلطة عليهم من داخل كيانهم ومن خارجه، ويعلم أن الشيطان يقعد لهم كل مرصد، ويأخذ عليهم كل طريق ويجلب عليهم بخيله ورجله، وأنه جاد كل الجد في عمله الخبيث! ويعلم أن بناء هذا المخلوق الإنساني بناء واه وأنه مسكين سرعان ما يسقط إذا أفلت من يده الحبل الذي يربطه والعروة التي تشده وأن ما ركب في كيانه من وظائف ومن ميول ومن شهوات سرعان ما ينحرف عن التوازن فيشط به هنا أو هناك ويوقعه في المعصية وهو ضعيف عن الاحتفاظ بالتوازن السليم. يعلم الله سبحانه عن هذا المخلوق كل هذا فيمد له في العون ويوسع له في الرحمة، ولا يأخذه بمعصية حتى يهيئ له جميع الوسائل ليصلح خطأه ويقيم خطاه على الصراط، وبعد أن يلج في المعصية ويسرف في الذنب ويحسب أنه قد طرد وانتهى أمره ولم يعد يقبل ولا يستقبل في هذه اللحظة لحظة اليأس والقنوط يسمع نداء الرحمة الندي اللطيف: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:53].