الطخي وجهها!

     عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بخزيرة طبختها له فقلت لسودة والنبي صلى الله عليه وسلم بيني وبينها فقلت لها: كلي. فأبت. فقلت: لتأكلن أو لألطخن وجهك. فأبت فوضعت يدي في الخزيرة فطليت بها وجهها. فضحك النبي صلى الله عليه وسلم فوضع فخذه لها وقال لسودة: «الطخي وجهها«، فلطخت وجهي فضحك النبي صلى الله عليه وسلم أيضا، فمر عمر فنادى يا عبد الله يا عبد الله فظن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سيدخل فقال لهما: «قوما فاغسلا وجوهكما«، قالت عائشة: فما زلت أهاب عمر لهيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه. [السلسلة الصحيحة: ٧ / ٣٦٣].

الخَزِيرَة‏:‏ لَحْمٌ يُقَطَّع صغارا ويُصَبُّ عليه ماءٌ كَثِير فإذا نَضِج ذُرَّ عليه الدَّقيق، فإنْ لم يكُنْ فيها لحمٌ فهي عَصيدةٌ.

     المزاح مشروع في دين الله تعالى: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: يا رسولَ اللهِ، إنك تُداعِبُنا! قال: «إني لا أقولُ إلا حقًّا» [رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح].

     قالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ لحنظلة رضي الله عنه: «وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ إنْ لو تَدُومُونَ علَى ما تَكُونُونَ عِندِي، وفي الذِّكْرِ، لَصَافَحَتْكُمُ المَلَائِكَةُ علَى فُرُشِكُمْ وفي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً ثَلَاثَ مَرَّاتٍ». [رواه مسلم، أي: ساعةً في الحُضورِ والذِّكْرِ، وساعةً في مُعافَسةِ الأَولادِ والأَزْواجِ، وكَرَّرَها ثَلاثَ مَرَّاتٍ].

     كلُّ ما ورَد عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم مِن المزاحِ إنَّما هو خَفْضُ الجَناحِ للمُؤمنين وبَسْطُ الوجهِ وطلَبُ التَّودُّدِ معَهم، دونَ أن يُسقِطَ الهيبةَ والوَقارَ. [موقع الدرر السنية شرح الحديث السابق].

     وقال الحسن البصري رحمه الله: ضحك المؤمن غفلة من قلبه. [رواه ابن أبي شيبة في المصنف]، والمقصود هنا الضحك المكروه.

     وروى الطبراني في الأوسط عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: يا أحنف من كثر ضحكه قلت هيبته. وكذا رواه البيهقي في شعب الإيمان.

    قال الإمام الغزالي في الإحياء: والمذموم منه أن يستغرق ضحكًا. انتهى.

والمقصود بالضحك المذموم هو: ما صحبه صوت كالقهقهة، أما الضحك الذي يكون بصورة التبسم، فهذا محمود بل هو مأمور به في بعض المواطن، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تبسمك في وجه أخيك لك صدقة». [رواه الترمذي وقال: حسن غريب، وصححه الألباني].

     وفي مسند أحمد عن عبد الله بن الحرث بن جزء قال: ما رأيت أحدًا كان أكثر تبسمًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وحسنه الأرناؤوط.

     وفي سنن الترمذي عنه أيضًا قال: ما كان ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تبسمًا. [قال الترمذي صحيح غريب وصححه الألباني].

     قال الإمام الغزالي في الإحياء: والمحمود منه التبسم الذي ينكشف فيه السن، ولا يُسمع له صوت. انتهى. [إسلام ويب رقم الفتوى: 30423].

أنواع الناس في المزاح:

  • مُفرّط فيه: عبوس لا يضحك وهو مخالف للسنة.
  • فارط فيه: مُتَجَاوِزٌ لِلْحَدِّ الْمَعْقُولِ أصبحت سمة له وهذا مخالف أيضًا للسنة، وفي الحديث: «ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب». [رواه الترمذي وحسنه الألباني].
  • ووسط بينهما لا إفراط ولا تفريط: بوسطيَّة واعتدال. وهو هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الضحك:

          قال ابن القيم رحمه الله: وكان جُلُّ ضحكه التبسم، بل كلُّه التبسم، فكان نهايةُ ضحكِه أن تبدوَ نواجِذُه‏.‏

        وكان يضحكُ مما يُضحك منه، وهو مما يُتعجب من مثله ويُستغرب وقوعُه ويُستندر‏.‏

     وللضحك أسباب عديدة، هذا أحدها.

والثاني‏:‏ ضحِك الفرح، وهو أن يرى ما يسرُّه أو يُباشره.

والثالث‏:‏ ضحِكُ الغضب، وهو كثيراً ما يعتري الغضبان إذا اشتد غضبه، وسببه تعجب الغضبان مما أورد عليه الغضبُ، وشعورُ نفسه بالقدرة على خصمه، وأنه في قبضته، وقد يكون ضحكُه لِمُلكه نفسه عند الغضب، وإعراضِه عمن أغضبه، وعدم اكتراثه به‏.‏.. كما لم يكن ضحكه – صلى الله عليه وسلم – بقهقهة. [زاد المعاد، 1/182-183، فصل‏:‏ في هديه صلى الله عليه وسلم في كلامه وسكوته وضحكه وبكائه].

     الصحابة رضي الله عنهم كانوا يمزحون مع بعضهم: عن بكر بن عبد الله قال: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يتبادحون بالبطيخ فإذا كانت الحقائق كانوا هم الرجال. [رواه البخاري في الأدب، يتبادحون: يترامون].

من ضوابط الضحك والمزاح:

  1. لاتكذب: قال صلى الله عليه وسلم: «ويلٌ للذي يحدِّثُ بالحديثِ ليُضحكَ به القومَ فيكذبُ ويلٌ له ويلٌ له». [رواه الترمذي].
  2. لا تروع: قال صلى الله عليه وسلم: «لا يأْخذَنَّ أحدُكم متاعَ أخيهِ لاعبًا ولا جادًّا» [رواه أبوداود].
  3. لا تتعرض للأعراض: «كُلُّ المُسْلِمِ علَى المُسْلِمِ حَرامٌ، دَمُهُ، ومالُهُ، وعِرْضُهُ» [رواه مسلم].
  4. لا تتلف المال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من اقتطع مال امرئٍ مسلمٍ بغير حق لقي الله عز وجل وهو عليه غضبان» [رواه أحمد وقال الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح].
  5. لا تسخر: لا بالناس ولا بالشرع، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَتَّخِذُوَا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [البقرة: 231]، قال القرطبي رحمه الله في تفسير في هذه الآية: في الآية دليلٌ على منع الاستهزاء بدين الله ودينِ المسلمين ومَن يجب تعظيمه، وأنَّ ذلك جَهل، وصاحبه مستحقٌّ للوعيد، وليس المزاح من الاستهزاء بسبيلٍ، ألا ترى أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يمزح والأَئِمَّة بعده؟.

    قال ابن عربي رحمه الله: ولا يُستعمل المزاح أيضًا في أحكام الدِّين؛ فإنَّه جهل، قال تعالى مُخبرًا عن قصة البقرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة:67]، قال: معناه لا أمزح في أحكام الدِّين؛ فإنَّ ذلك فعل الجاهلين، ولكن اذبحوها، فستروا الحقيقة فيها.

     وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ﴾ [الحجرات:11].

إذا الضابط: قال ابن القيم رحمه الله في كتابه: (إعلام الموقعين:3/ 125):

     وحاصل الأمر أنَّ اللعب والهزل والمزاح في حقوق الله تعالى غيرُ جائز، فيكون جِدُّ القولِ وهزلُهُ سواءً، بخلاف جانب العباد، ألا ترى أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يمزح مع الصحابةِ ويباسطهم؟ وأما مع ربِّه تعالى فيَجِدُّ كُلَّ الجدِّ. اهـ.

المزاح والضحك سلاح ذو حدين:

قال النَّيْسَابُورِيُّ:

شَرُّ مِزَاحِ الْمَرْءِ لَا يُقَالُ … وَخَيْرُهُ يَا صَاحِ لَا يُنَالُ

وَقَدْ يُقَالُ كَثْرَةُ الْمِزَاحِ … مِنْ الْفَتَى تَدْعُو إلَى التَّلَاحِ

إنَّ الْمِزَاحَ بَدْؤُهُ حَلَاوَهْ … لَكِنَّمَا آخِرُهُ عَدَاوَهْ

يَحْتَدُّ مِنْهُ الرَّجُلُ الشَّرِيفُ … وَيَجْتَرِي بِسُخْفِهِ السَّخِيفُ

وَقَالَ أَبُو نُوَاسٍ:

خَلِّ جَنْبَيْك لِرَامٍ … وَامْضِ عَنْهُ بِسَلَامِ

مُتْ بِدَاءِ الصَّمْتِ خَيْرٌ … لَك مِنْ دَاءِ الْكَلَامِ

إنَّمَا السَّالِمُ مَنْ أَلْجَمَ … فَاهُ بِلِجَامِ

رُبَّمَا اسْتَفْتَحَ بِالْمَزْحِ … مَغَالِيقَ الْحِمَامِ

وَالْمَنَايَا آكِلَاتٌ … شَارِبَاتٌ لِلْأَنَامِ [أدب الدنيا والدين للماوردي ص502].

     وقال بعض الحكماء: من كثر مزاحه زالت هيبته، ومن كثر خلافه طابت غيبته. [المراح في المزاح لأبي البركات الغزي 1/1].

متى تضحك؟ ومع من؟

     لكل شخص وما يناسبه من المزاح، ولكل وقت وله مزاح يناسبه، فاختر الشخص المناسب والزمان المناسب، والمكان المناسب، وكما قيل: لكل مقام مقال.

أمثلة على مزاح النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم أجمعين:

عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ‏:‏ كَانَ ابْنٌ لأُمِّ سُلَيْمٍ يُقَالُ لَهُ‏:‏ أَبُو عُمَيْرٍ، كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم رُبَّمَا مَازَحَهُ إِذَا جَاءَ، فَدَخَلَ يَوْمًا يُمَازِحُهُ، فَوَجَدَهُ حَزِينًا، فَقَالَ‏:‏ «مَالِي أَرَى أَبَا عُمَيْرٍ حَزِينًا‏؟»‏ فَقَالُوا‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَاتَ نُغَرُهُ الَّذِي كَانَ يَلْعَبُ بِهِ، فَجَعَلَ يُنَادِيهِ‏:‏ «يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ‏».‏ [رواه البيهقي في الآداب].

عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَجُلا اسْتَحْمَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إِنِّي حَامِلُكَ عَلَى وَلَدِ نَاقَةٍ»، فَقَالَ‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَصْنَعُ بِوَلَدِ نَاقَةٍ‏؟‏ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «وَهَلْ تَلِدُ الإِبِلَ إِلاَّ النُّوقُ‏؟»‏‏.‏ [رواه البيهقي في الآداب].

عنْ أَنَسٍ، قَالَ‏:‏ قَالَ لِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «يَا ذَا الأُذُنَيْنِ‏».‏ [رواه البيهقي في الآداب].

عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَجُلا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ كَانَ اسْمُهُ زَاهِرُ بْنُ حَرَامٍ، قَالَ‏:‏ وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُحِبُّهُ وَكَانَ دَمِيمًا، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا وَهُوَ يَبِيعُ مَتَاعَهُ، فَاحْتَضَنَهُ مِنْ خَلْفِهِ وَهُوَ لا يُبْصِرُ، فَقَالَ‏:‏ أَرْسِلْنِي مَنْ هَذَا‏؟‏ فَالْتَفَتَ فَعَرَفَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَجَعَلَ لا يَأْلُو مَا أَلْزَقَ ظَهْرَهُ بِصَدْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حِينَ عَرَفَهُ، وَجَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ‏:‏ «مَنْ يَشْتَرِي الْعَبْدَ‏؟‏» فَقَالَ‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذًا وَاللَّهِ تَجِدُنِي كَاسِدًا، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لَكِنْ عِنْدَ اللَّهِ لَسْتَ بِكَاسِدٍ» أَوْ قَالَ‏:‏ «لَكِنْ عِنْدَ اللَّهِ أَنْتَ غَالٍ». [رواه البيهقي في الآداب].

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير وحاد يحدو بنسائه فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو قد تنحى بهن قال: فقال: «يا أنجشة ويحك ارفق بالقوارير». [رواه البخاري ومسلم وأحـمـد والـلـفـظ له].

     ومعنى القوارير: النساء، وهي كلمة دعابة من الرسول صلى الله عليه وسلم.

عن الحسن رضي الله عنه قال: أتت عجوز النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله ادع الله لي أن يدخلني الجنة، فقال: «يا أم فلان إن الجنة لا يدخلها عجوز»، فولت العجوز تبكي فقال: «أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز، فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾». [رواه الترمذي].

عن أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها: أنَّ أبا بكْرٍ خرَج تاجِرًا إلى بُصْرَى، ومعه نُعَيْمانُ وسُوَيْبِطُ بنُ حَرْمَلةَ، وكِلاهما بَدْريٌّ، وكان سُوَيْبِطٌ على الزَّادِ، فجاءَه نُعَيمانُ، فقالَ: أَطْعِمْني، فقال: لا، حتى يأتيَ أبو بكْرٍ، وكان نُعَيمانُ رجُلًا مِضحاكًا مَزَّاحًا، فقال: لأَغِيظَنَّكَ، فذهَب إلى ناسٍ جلَبوا ظَهْرًا، فقال: ابْتاعوا منِّي غُلامًا عربيًّا فارِهًا، وهو ذو لِسانٍ، ولعلَّه يقولُ: أنا حُرٌّ؛ فإن كنتُم تاركيه لذلك، فدَعوني، لا تُفسِدوا عليَّ غُلامي، فقالوا: بل نبْتاعُه منك بعشْرِ قلائِصَ. فأقبَلَ بها يَسوقُها، وأقبَلَ بالقومِ حتى عَقَلَها، ثمَّ قال للقومِ: دونَكُم هو هذا، فجاءَ القومُ، فقالوا: قد اشترَيْناكَ. قال سُويْبِطٌ: هو كاذبٌ، أنا رجُلٌ حُرٌّ، فقالوا: قد أَخبرَنا خبَرَكَ، وطَرَحوا الحبْلَ في رَقبَتِه، فذهَبوا به، فجاء أبو بكْرٍ فأُخبِرَ، فذهَبَ هو وأصحابٌ له، فردُّوا القلائِصَ وأخَذوه، فضحِكَ منها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأصحابُه حَوْلًا. [رواه أحمد في مسنده، وضعفه شعيب الأرناؤوط].