الزلازل معنوية وحسية:
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:
المراد بالزلازل زلازل الأرض، تكثر زلازل الأرض في المكان القريب والبعيد، ويمكن أن يقال الزلازل تشمل الزلازل المعنوية التي تكون بالأفكار الرديئة المنحرفة تنشر فيأتي الفكر الخبيث ويأتي ما هو أخبث منه وما هو أشر. [شرح البخاري-كتاب الجمعة والعيدين -شريط 10 وجه A].
الزلازل تدل على ألوهيته وربوبيته ووحدانيته، وتدل على جبروته وقوته سبحانه.
الآيات تخويف وعودة:
﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء:59]
قال الشيخ السعدي رحمه الله:
أي: لم يكن القصد بها أن تكون داعية وموجبة للإيمان الذي لا يحصل إلا بها، بل المقصود منها التخويف والترهيب ليرتدعوا عن ما هم عليه.
قال الإمام ابن كثير رحمه الله:
قال قتادة إن الله خوف الناس بما يشاء من آياته لعلهم يعتبرون ويذكرون ويرجعون ذكر لنا أن الكوفة رجفت على عهد ابن مسعود فقال يا أيها الناس إن ربكم يستعتبكم فأعتبوه
وهكذا روي أن المدينة زُلزلت على عهد عمر بن الخطاب مرات فقال عمر أحدثتم والله لئن عادت لأفعلن ولأفعلن. [تفسير القرآن العظيم].
إياك والأمن من مكر الله:
﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ۚ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:97-99].
قال الشيخ السعدي رحمه الله:
فإن من أمن من عذاب اللّه، فهو لم يصدق بالجزاء على الأعمال، ولا آمن بالرسل حقيقة الإيمان. وهذه الآية الكريمة فيها من التخويف البليغ، على أن العبد لا ينبغي له أن يكون آمنا على ما معه من الإيمان. بل لا يزال خائفا وجلا أن يبتلى ببلية تسلب ما معه من الإيمان، وأن لا يزال داعيا بقوله: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» وأن يعمل ويسعى، في كل سبب يخلصه من الشر، عند وقوع الفتن، فإن العبد – ولو بلغت به الحال ما بلغت – فليس على يقين من السلامة. [تيسير الكريم الرحمن].
هل ثبت دعاء أو صلاة عن النبي صلى الله عليه وسلم عند الزلازل؟
ج: قال ابن حجر رحمه الله: وقال الزين بن المنير: … لم يثبت على شرطه في القول عند الزلازل ونحوها شيء، وهل يصلي عند وجودها؟ أي الزلازل حكى ابن المنذر فيه الاختلاف، وبه قال أحمد وإسحاق وجماعة، وعلق الشافعي القول به على صحة الحديث عن علي، وصح ذلك عن ابن عباس أخرجه عبد الرزاق وغيره. [فتح الباري ٢/ ٦٠٥ (كتاب الاستسقاء-باب ماقيل في الزلازل والآيات].
الواجب على المكلفين عند حدوث الزلازل والآيات:
قال الشيخ ابن باز رحمه الله:
فالواجب على جميع المكلفين من المسلمين وغيرهم، التوبة إلى الله عز وجل، والاستقامة على دينه، والحذر من كل ما نهى عنه من الشرك والمعاصي، حتى تحصل لهم العافية والنجاة في الدنيا والآخرة من جميع الشرور، وحتى يدفع الله عنهم كل بلاء، ويمنحهم كل خير، كما قال عز وجل: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف:96].
من أسباب العافية والسلامة من كل سوء: مبادرة ولاة الأمور بالأخذ على أيدي السفهاء، وإلزامهم بالحق وتحكيم شرع الله فيهم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قال عز وجل: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:71].
وقال صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ آيَتانِ مِن آياتِ اللَّهِ، لا يَخْسِفانِ لِمَوْتِ أحَدٍ ولا لِحَياتِهِ، فإذا رَأَيْتُمْ ذلكَ، فادْعُوا اللَّهَ، وكَبِّرُوا وصَلُّوا وتَصَدَّقُوا. ثُمَّ قالَ: يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ واللَّهِ ما مِن أحَدٍ أغْيَرُ مِنَ اللَّهِ أنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أوْ تَزْنِيَ أمَتُهُ، يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ واللَّهِ لو تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ولبَكَيْتُمْ كَثِيرًا» [رواه البخاري].
ويستحب أيضا رحمة الفقراء والمساكين والصدقة عليهم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ارحموا ترحموا» [رواه أحمد (2/165)]، «الراحمون يرحمهم الرحمن»، «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» [رواه أبو داود والترمذي]، وقوله صلى الله عليه وسلم: «من لا يرحم لا يرحم» [رواه البخاري ومسلم]، وروي عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله أنه كان يكتب إلى أمرائه عند وجود الزلزلة أن يتصدقوا.
الزلازل علامة وتذكير بالزلزلة العظيمة القادمة يوم القيامة:
قال صلى الله عليه وسلم: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى يُقْبَضَ العِلْمُ، وتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ، ويَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، وتَظْهَرَ الفِتَنُ، ويَكْثُرَ الهَرْجُ – وهو القَتْلُ القَتْلُ – حتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ المَالُ فَيَفِيضَ» [رواه البخاري].
اللهَ عزَّ وجلَّ لا يَنزِعُ العلم مِن صُدورِ النَّاسِ، بل يَنزِعُه مِن الأرضِ بمَوتِ العُلماءِ.
ومِن العَلاماتِ كَثرةُ الزَّلازِلِ، فيَكثُرُ تَحرُّكُ الأرضِ واهْتِزازُها، ومِن العَلاماتِ تَقارُبُ الزَّمانِ، فتَقِلُّ بَرَكتُه، وقيل: تكونُ السَّنةُ كالشَّهرِ، والشَّهرُ كالجُمُعةِ، والجُمُعةُ كاليومِ، واليومُ كالسَّاعةِ، والسَّاعةُ كالضَّرَمَةِ بالنَّارِ، والضَّرَمةُ: الوَقتُ المستَغرَقُ بمِثْلِ ما يُشعَلُ به النَّارُ وانطفائِه، وقيل غيرُ ذلك.
ومِن العَلاماتِ أيضًا ظُهورُ الفِتنِ، فتَكثُرُ، مِثْلُ ظُهورِ فِتْنةِ الدَّجَّالِ وغيرِها.
وكثْرةُ الهَرْجِ، وفسَّرَه النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بقولِه: «وهو القَتْلُ القَتْلُ»، حيثُ تَكثُرُ استِباحةُ دِماءِ المسلمينَ بَعضِهم لبعضٍ دونَ وَجْهِ حقٍّ، كما في رِوايةِ ابنِ ماجَهْ أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: «لَيس بقتْلِ المشركينَ، ولكنْ يَقتُلُ بَعضُكم بَعضًا، حتى يَقتُلَ الرجُلُ جارَه، وابنَ عَمِّه، وذا قَرابتِه»؛ فالقتْلُ المقصودُ هنا هو أنْ يَقتُلَ المسلِمونَ بَعضُهم بعضًا دونَ مُراعاةٍ لِحُرمةِ دَمٍ، أو دِينٍ، أو قَرابةٍ.
ومِن العَلاماتِ أيضًا كَثرةُ الأموالِ، فيَعُمُّ الناسَ جميعًا، ويَسْتَغني كلُّ واحدٍ بما يَملِكُه في يَدِه، وقيل: إنَّ إفاضتَه تكونُ في زَمَنِ عيسى ابنِ مَريمَ عليه السَّلامُ بعْدَ قَتْلِه الدَّجالَ. [شرح الدرر السنية].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج:1].
عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لما نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾، قال: أنزلت عليه هذه، وهو في سفر، فقال: «أتدرون أي يوم ذلك؟» فقالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «ذلك يوم يقول الله لآدم: ابعث بعث النار. قال: يا رب، وما بعث النار؟ قال: تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة» فأنشأ المسلمون يبكون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قاربوا وسددوا، فإنها لم تكن نُبوة قط إلا كان بين يديها جاهلية» قال: «فيؤخذ العدد من الجاهلية، فإن تمت وإلا كملت من المنافقين، وما مثلكم والأمم إلا كمثل الرُّقمة في ذراع الدابة، أو كالشامة في جنب البعير» ثم قال: «إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة» فكبروا ثم قال: «إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة» فكبروا، ثم قال: «إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة» فكبروا، قال: ولا أدري أقال الثلثين أم لا؟. [رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح. ورواه الإمام أحمد].
وفي رواية: «وإنَّ معكم لخليقتَينِ ما كانتا في شيءٍ قطُّ إلَّا كثَّرتاهُ: يأجوجُ ومأجوجُ، ومن هلكَ من كفَرةِ الجنِّ والإنسِ» [رواه الطبري في تفسيره من حديث أنس بن مالك].