الحث على الإيمان بأسماء الله

     الحمد لله الذي كتب الإيمان في قلوب المؤمنين حتى شاهدوا بعين البصيرة ونور العلم ما كان غائبا عن العيون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الحي الكامل في حياته، العليم الكامل في علمه، القدير الكامل في قدرته، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله إمام المتقين وخاتم النبيين وسيد الموقنين، آمن فأيقن، وعمل فأتقن، واستمر على ذلك حتى أتاه اليقين؛ فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

     أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى وآمنوا به، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:102]، وحققوا إيمانكم بمعرفة ربكم بأسمائه وصفاته وأفعاله، وبالعمل بما تقتضيه، وتوجبه تلك الأسماء والصفات، آمنوا بأن الله حي قيوم حياته كاملة لم يسبقها عدم ولا يلحقها فناء فكل شيء هالك إلا وجهه، فهو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء، هو قيوم السماوات والأرض، قام بنفسه فلم يحتج إلى أحد من خلقه، وفي الحديث الصحيح أنه تبارك وتعالى يقول: «يا عِبَادِي، إنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي» [رواه مسلم]، وهو الذي قامت السماوات والأرض بأمره، ولم يستغن عنه أحد من خلقه، فالعباد مضطرون إليه في جميع أحوالهم وأوقاتهم؛ لا غنى لهم عن ربهم طرفة عين.

     آمنوا بأن الله بكل شيء عليم، وعلى كل شيء حفيظ رقيب، وأنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩]، فجميع حركاتكم وسكناتكم وأقوالكم وأفعالكم معلومة عند ربكم، محفوظة لكم مسجلة عليكم في كتاب مبين، فحققوا رحمكم الله الإيمان بهذه الصفة، صفة العلم، حققوها تحقيقًا عمليًا تطبيقيًا كما أنكم مأمورون بتحقيقها تحقيقًا علميًا. فإذا علمتم أن الله يعلم سركم وجهركم، ويحفظ ذلك لكم، فإن مقتضى ذلك أن تعبدوه سرًا وجهرًا، وأن تقدموا طاعته وخشيته على كل خشية، وشريعته على كل شريعة ونظام.

     أيها الأحباب الكرام: ربما يعصي العبد الله جهارًا علنًا من غير مبالاة، وربما يعصي الله سرًا وخفاء خوفًا أو حياءً من الناس، فليعلم أنه في كلتا الحالتين لا تخفى على الله حاله، وأن الله يعلم به ويسمع ما يقول ويرى ما يفعل ويحفظ ذلك في كتاب مبين، فهل يليق بالعبد أن يعصي الله بعد ذلك بمخالفة أمره أو ارتكاب نهيه.

     عباد الله: آمنوا بأن الله على كل شيء قدير وأنه جواد كريم: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر:٤٤]، فهو قدير على تغيير الأمور وتحويلها، وعلى منع الأمور وتيسيرها، قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر:٥٠]، وكأين من آية في السماوات والأرض تُبرهن على قدرته وأن جميع الأمور بيده، فإذا حققتم ذلك أوجب لكم أن تُعلقوا رجاءكم به عند الشدائد، وأن تسألوه ما تحبون عند المطالب، وأن تعلموا أن قدرته وإرادته فوق الأسباب، وكم من أمور حدثت مع استبعاد الناس حدوثها؟ وكم من أمور عُدمت مع استبعاد الناس عَدمها؟ كل ذلك دليل على أن قدرته فوق كل تقدير وتدبيره فوق كل تدبير.

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه…

الخطبة الثانية:

     عباد الله: آمنوا بأن الله حكيم يضع الأمور في مواضعها، فلم يخلق خلقًا عبثًا، ولم يشرع شرعًا سفهًا، فكل ما قضاه وقدره فلحكمة، وكل ما شرعه لعباده من أمر ونهي فلحكمة، فإذا آمنتم بذلك حق الإيمان أوجب لكم أن تقفوا عند أفعال الله وأحكامه، وأن لا تعترضوا على شرعه وخلقه، وأن تتأدبوا بالأدب الواجب تجاه حكمة الله، فإن تبينت لكم الحكمة فذلك من فضل الله ومن نعمته، وإن لم تتبين لكم الحكمة فكِلوا الأمرَ إلى العليم الحكيم، واعرفوا كمال علم الله وحكمته، ونقص علمكم وحكمتكم، وقولوا رضينا بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا، كيف يعترض على شرع الله من كان مؤمنًا بالله وعلمه وحكمته؟!

أيها الأحباب الكرام: آمنوا بأن الله حَكمٌ عَدلٌ قهارٌ، فإذا حققتم الإيمان بذلك أوجب عليكم الإنصاف من أنفسكم، والامتناع عن الظلم، لأن فوق أيديكم يدُ الواحد القهار، واعلموا أن لكم موقفًا بين يدي الله عز وجل يقضي فيه للمظلوم من الظالم؛ حتى يتمنى القاضي العادلُ أنه لم يقض بين اثنين في تمرة لما يرى من أخذ الظلمة، فيخاف أن يكونَ قد ظلم فيتمنى أن يكون قد سَلِمَ، لكن القاضي العادلَ الذي علم الحق فقضى به ليس عليه إثم ولا وبال بل هو في الجنة، وغير القاضي من الولاة مثله، فليحذر من ولاه الله على شيء أن يظلم، وليتذكر أن الله حَكمٌ عَدلٌ قَهار.

     وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تضور (أي تقلب في الليل على فراشه) قال: «لا إله إلَّا اللهُ الواحد القهار، ربُّ السمواتِ والأرض وما بينهما العزيزُ الغَفَّار» [رواه النسائي وصححه الألباني].

   واعلموا عباد الله أن الله تعالى قال قولا كريمًا تنبيهًا لكم وتعليمًا وتشريفًا لقدر نبيه وتعظيمًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾… [مختصرة ومعدلة من خطب الشيخ ابن عثيمين رحمه الله].