احتسبوا أعمالكم

     عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوعك فوضعت يدي عليهِ فوجدت حرّه بين يدي فوق اللحاف فقلت: يا رسول الله ما أشدها عليك؟ قال: «إنا كذلك يضعف لنا البلاء ويضعف لنا الأجر» قلت: يا رسول الله أي الناس أشد بلاء؟ قال: «الأنبياء» قلت: يا رسول الله ثم من؟ قال: «ثم الصالحون، إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر حتى ما يجد أحدهم إلا العباءة يحويها، وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء» رواه ابن ماجه.

     في هذا الحديث ينبهنا صلى الله عليه وسلم إلى خلق عظيم وهو خلق الاحتساب، والاحتساب هو طلب الأجر من الله تعالى، وقد حث عليه الصلاة والسلام على هذا الخلق فقال: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»، وقال: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»، وقال: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه». [كلها متفق عليها].

     فإذا صام العبد: إيمانا بالله تعالى، واحتسابا بثواب الله عز وجل، فإن الله تعالى يغفر له ما تقدم من ذنبه. [ابن عثيمين: شرح رياض الصالحين، (5/272) باب وجوب صوم رمضان].

     والاحتساب طريق موصل إلى محبة الله تعالى، وهو دليل كمال الإيمان وحسن الإسلام، والاحتساب في الطاعات يجعلها خالصة لوجه الله تعالى، وأما في المكاره وعند وقوع البلاء فإنه يضاعف الأجر، وهو يبعد صاحبه عن شبهة الرياء ويزيد من ثقته بربه جل وعلا.

     يقول الله تبارك وتعالى حاثا على الاحتساب: ﴿لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 114].

     قال السعدي رحمه الله: فلهذا ينبغي للعبد أن يقصد وجه الله تعالى ويخلص العمل لله في كل وقت وفي كل جزء من أجزاء الخير، ليحصل له بذلك الأجر العظيم، وليتعود الإخلاص فيكون من المخلصين، وليتم له الأجر، سواء تم مقصوده أم لا، لأن النية حصلت واقترن بها ما يمكن من العمل. [تيسير الكريم الرحمن، النساء آية144].

     عن جندب بن سفيان رضي الله عنه قال: دَمِيَتْ إصبع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض تلك المشاهد – يقصد في أحد الغزوات – فقال عليه الصلاة والسلام:

هل أنت إلا إصبعٌ دَميتِ … وفي سبيل الله ما لَقيتِ. [البخاري ومسلم واللفظ له]

     وعن أنس رضي الله عنه قال: أصيب حارثة يوم بدر وهو غلام فجاءت أمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله قد عرفت منزلة حارثة مني، فإن يكن في الجنة أصبر وأحتسب، وإن تك الأخرى ترى ما أصنع، فقال: «ويحك أوهبلت أوجنة واحدة هي إنها جنان كثيرة وإنه في جنة الفردوس» [رواه البخاري].

    وقام رجل وقال يا رسول الله: أرأيت إن قُتلتُ في سبيل الله تُكفّر عني خطاياي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم، إن قتلت في سبيل الله وأنت صابر محتسب مقبلٌ غيرُ مدبر»، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف قلت؟ قال: أرأيت إن قُتلتُ في سبيل الله أتُكفّر عني خطاياي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم وأنت صابر محتسب مقبلٌ غيرُ مدبر إلا الدين، فإن جبريلَ عليه السلام قال لي ذلك» [رواه مسلم].

     إن الاحتساب لا يكون فقط في العبادات بل حتى في العادات إذا نواها المسلم لله تعالى فإنه يؤجر عليها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقة وهو يحتسبها كانت له صدقة» [رواه مسلم].

     يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا أيها الناس احتسبوا أعمالكم فإن من احتسب عمله كتب له أجر عمله وأجر حسبته. [عمدة القاري شرح صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب ما جاء في الأعمال بالنية والحسبة، ولكل امرئ ما نوى (1/484)].

     فالاحتساب يجعل العادة عبادة بإذن الله تعالى، يقول معاذ بن جبل رضي الله عنه: أما أنا فأنام وأقوم، فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي. [رواه البخاري].

     قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: المؤمن يُثاب على ما يقصد به وجه الله، من أكل وشرب ولباس ونكاح، وشفاء غيظه لقهر عدوه في الجهاد في سبيل الله، ولذة علمه وإيمانه وعبادته. [الاستقامة (2/151)].

     فكل ما تقصد به وجه الله من أقوالك وأعمالك يا عبد الله تثاب عليه بإذن الله عز وجل.

اللهم اجعلنا من المحتسبين يا رب العالمين.