إذا أراد الله شيئًا هيأ له أسبابه!


     كان عمرو بن الجموح سيدا من سادات بني سلمة، وشريفا من أشرافهم، وكان قد اتخذ في داره صنما من خشب، يقال له: مناة، كما كانت الأشراف يصنعون، تتخذه إلها تعظمه وتطهره، فلما أسلم فتيان بني سلمة: معاذ بن جبل، وابنه معاذ بن عمرو (بن الجموح) في فتيان منهم ممن أسلم وشهد العقبة، كانوا يدلجون بالليل على صنم عمرو ذلك، فيحملونه فيطرحونه في بعض حفر بني سلمة، وفيها عذر الناس، منكسا على رأسه، فإذا أصبح عمرو، قال: ويلكم من عدا على آلهتنا هذه الليلة؟ قال: ثم يغدو يلتمسه، حتى إذا وجده غسله وطهره وطيبه، ثم قال: أما والله لو أعلم من فعل هذا بك لأخزينه. فإذا أمسى ونام عمرو، عدوا عليه، ففعلوا به مثل ذلك، فيغدو فيجده في مثل ما كان فيه من الأذى، فيغسله ويطهره: ويطيبه، ثم يعدون عليه إذا أمسى، فيفعلون به مثل ذلك. فلما أكثروا عليه، استخرجه من حيث ألقوه يوما، فغسله وطهره وطيبه، ثم جاء بسيفه فعلقه عليه، ثم قال: إني والله ما أعلم من يصنع بك ما ترى، فإن كان فيك خير فامتنع، فهذا السيف معك. فلما أمسى ونام عمرو، عدوا عليه فأخذوا السيف من عنقه، ثم أخذوا كلبا ميتا فقرنوه به بحبل، ثم ألقوه في بئر من آبار بني سلمة، فيها عذر من عذر الناس، ثم غدا عمرو بن الجموح فلم يجده في مكانه الذي كان به.

     فخرج يتبعه حتى وجده في تلك البئر منكسا مقرونا بكلب ميت، فلما رآه وأبصر شأنه، وكلمه من أسلم من (رجال) قومه، فأسلم برحمة الله، وحسن إسلامه. فقال حين أسلم وعرف من الله ما عرف، وهو يذكر صنمه ذلك وما أبصر من أمره، ويشكر الله تعالى الذي أنقذه مما كان فيه من العمى والضلالة:

والله لو كُنتَ إلهًا لم تكن             أنت وكَلبٌ وَسْطَ بئر في قَرَنْ (الحبل)

أف لـمَلْقاكَ إلهًا مُستَدَنْ(ذليل)               الآن فتّشْناك عن سوء الغَبَن (السفه)

الحمد لله العلي ذي المنن                      الواهب الرزاق ديان الدِّيَنْ

هو الذي أنقذني من قبل أن                  أكون في ظلمة قبر مُرْتهن

بأحمد المهدي النبي المرتهن. [السيرة النبوية لابن هشام، ص (452-453)].

     قال السعدي رحمه الله: فقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ﴾ يعقوب بن إسحاق ابن إبراهيم الخليل، عليهم الصلاة والسلام: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ فكانت هذه الرؤيا، مقدمة لما وصل إليه يوسف عليه السلام، من الارتفاع في الدينا والآخرة.

    وهكذا إذا أراد الله أمرا من الأصول العظام، قدم بين يديه مقدمة، توطئة له، وتسهيلا لأمره، واستعدادا لما يرد على العبد من المشاق، ولطفا بعبده، وإحسانا إليه.

    فأولها يعقوب، بأن الشمس: أمه، والقمر أبوه، والكواكب، إخوته.

    وأنه ستنتقل به الأحول إلى أن يصير إلى حال يخضعون له، ويسجدون له، إكراما وإعظام، وأن ذلك لا يكون، إلا بأسباب تتقدمه من اجتباء الله له، واصطفائه إياه، وإتمام نعمته عليه، بالعلم والعمل، والتمكين في الأرض.

     وأن هذه النعمة ستشمل آل يعقوب، الذين سجدوا له، وصاروا تبعا له فيها ولهذا قال: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾. [تيسير الكريم الرحمن سورة يوسف].

     في غزوة بدر الكبرى: قال الله تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِى مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَىٰكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَٰزَعْتُمْ فِى ٱلْأَمْرِ﴾ [الأنفال:43]، وكان الله قد أرى رسوله المشركين في الرؤيا عدداً قليلاً، فبشر بذلك أصحابه؛ فاطمأنت قلوبهم، وتثبتت أفئدتهم، ولو أراكهم الله إياهم كثيراً فأخبرت بذلك أصحابك لفشلتم، ولتنازعتم في الأمر: فمنكم من يرى الإقدام على قتالهم، ومنكم من لا يرى ذلك، فوقع من الاختلاف والتنازع ما يوجب الفشل. [السعدي:٣٢٢].

    قال مجاهد: أراه الله إياهم في منامه قليلا فأخبر النبي – صلى الله عليه وسلم – أصحابه بذلك، فكان تثبيتا لهم. [تفسير القرآن العظيم].

     عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: لَقَدْ قُلِّلُوا فِي أَعْيُنِنَا يَوْمَ بَدْرٍ، حَتَّى قُلْتُ لِرَجُلٍ إِلَى جَانِبِي: تَرَاهُمْ سَبْعِينَ؟ قَالَ: لَا بَلْ هُمْ مِائَةٌ، حَتَّى أَخَذْنَا رَجُلًا مِنْهُمْ فَسَأَلْنَاهُ، قَالَ: كُنَّا أَلْفًا. [رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ] [تفسير الطبري: (١٣/٥٧٢)].

     وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾ [الأنفال:42]، أي: لو تواعدتم مع قريش، ثم علمتم كثرتهم وقلتكم لاختلفتم ولم تجتمعوا معهم، أو: لو تواعدتم لم يتفق اجتماعكم مثل ما اتفق بتيسير الله ولطفه. ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ﴾ أي: يموت من مات ببدر عن إعذار وإقامة الحجة عليه، ويعيش من عاش بعد البيان له. [تفسير ابن جزي:١/٣٤٥].

والله هو مسبب الأسباب، أي جاعلها بحكمته أسبابا مفضية إلى نتائجها:

     قال شيخ الإسلام ابن تيمية: هو سبحانه الحي الفعال لما يشاء العليم القدير الحكيم، الخبير الرحيم الودود، لا إله إلا هو، وكل ما سواه فقير إليه، وهو غني عما سواه، لا يكمل بغيره، ولا يحتاج إلى سواه، ولا يستعين بغيره في فعل، ولا يبلغ العباد نفعه فينفعوه، ولا ضره فيضروه، بل هو خالق الأسباب والمسببات، وهو الذي يلهم عبده الدعاء، ثم يجيبه وييسر عليه العمل، ثم يثيبه ويلهمه التوبة، ويحبه ويفرح بتوبته، وهو الذي استعمل المؤمنين فيما يرضيه، ورضي عنهم، فلم يحتج في فعله لما يحبه ويرضاه إلى سواه، بل هو الذي خلق حركات العباد التي يحبها ويرضاها، وهو الذي خلق ما لا يحبه ولا يرضاه من أعمالهم، لما له في ذلك من الحكمة التي يحبها ويرضاها ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَىٰ وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: 70]، فلا إله إلا هو ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22]. انتهى. [إسلام ويب، فتوى:404845].

يقول الدكتور عبد الكريم زيدان، رحمه الله، في كتابه: السنن الإلهية في الأمم والجماعات والأفراد في الشريعة الإسلامية (ص21): بفصله الأول الذي عنوانه: سنّة الله في الأسباب والمسببات: قانون السببية:

      كل شيء بسبب: وقد دلّ القرآن الكريم على أن كل شيء يحدث بسبب، سواء كان هذا الحدث يتعلق بالجماد أو بالنبات أو بالحيوان أو بالإنسان، أو بالأجرام السماوية أو الظواهر الكونية المادية المختلفة.

     فقانون السببية، أي ربط المسببات بأسبابها والنتائج بمقدماتها، هذا القانون عام شامل لكل ما في العالم، ولكل ما يحصل للإنسان في الدنيا والآخرة.

     قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فليس في الدنيا والآخرة شيء إلا بسبب، والله خالق الأسباب والمسببات. فمن الأسباب المادية قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ﴾. ومن الأسباب المعنوية: ﴿إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً﴾. انتهى.

     يقول المنجد حفظه الله: هذه العلاقة التأثيرية: ليست على جهة الاستقلال، من السبب المؤثر، كما يقوله الطبائعيون، ونحوهم… بل هي مؤثرة: بما خلق الله جل جلاله فيها من قوة التأثير. فإن شاء الله تعالى سلبها هذه القوة، على خلاف الأصل الذي جرت، وتجري عليه، لحكمة له سبحانه، كما يخرق أمثال هذه العادات لأنبيائه، وأوليائه الصالحين، لحاجة بهم إلى ذلك، أو إقامة لحجتهم على المعاندين، والمكذبين؛ فيلقى إبراهيم عليه السلام في النار، ولا يحترق، ويقطع موسى عليه السلام بجنده عُرض البحر، ولا يغرق، ونحو ذلك من أمور المعجزات والكرامات المعروفة.

     وليس في نص الكتاب، ولا سنة النبي صلى الله عليه وسلم: وصف هذه السنن بأنها لا تتبدل، ولا تتحول، ولا تتغير أبدا، ليس في شيء من النصوص ذلك الوصف، مضافا إلى السنن الكونية، وقضايا الأسباب والمسببات، بل مرد ذلك كله إلى مشيئة الله سبحانه.

ولذلك نحتاج إلى الفرق بين: السنن الطبيعية والسنن الشرعية.

     فسنة الله لا تتبدل، ولا تتحول، وهي التي أمر عباده بتدبرها، والانتفاع بها: هي سنته الشرعية الدينية؛ بنصر أنبيائه ورسله، ورفع أهل الإيمان على من خالفهم وعاداهم في الدنيا والآخرة. والانتقام ممن كذب رسله، وعاندهم، وعاداهم، وحاربهم.

     وأما سنته الكونية، الطبيعية: فهي جارية، بقدر الله، وخلقه؛ فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.

     وإذا خرقها الله تعالى، بقدرته، وحكمته، ومشيئته: فليس في ذلك إبطال لها، ولا إبطال لنواميس الكون، ولا خلف لسنة الله، بل بيان أن ذلك كله إنما يجري بقدر الله، وقدرته، وحكمته، وليس مرد ذلك إلى طبائع الأشياء التي لا تتبدل، كما يقوله من يقوله من أعدائه الطبائعيين ـ الدهريين ـ [الإسلام سؤال وجواب رقم السؤال: 311544].

متى تذم الأسباب؟

      إنما تذم الأسباب إذا تعلق القلب بها وحدها، وجعل كـل اعتماده عليها، ونسي مسببها وخالقها، وجهل أن الأسباب لا تعمـل وحـدها، فربمـا أهـمـل سـببًا بعيدًا أو خفيًا، أو أغفل شرطا لازمًا، أو كان هناك مانع قوي يعوق سببه ويبطل تأثيره، فإنه إذا بذر الحبة في الأرض الخصبة، وتعهدها بالري والتسميد ونحـو ذلـك، لا يملـك تعهد البذرة في أعماق التربة، ولا يملك تصريف الرياح ودرجات الحرارة والبرودة التي تؤثر فيها، ولا الآفات السماوية التي يمكن أن تحيق بها، فلا يملك المؤمن هنا إلا أن يقـول بـعـد سبيه واجتهاده : نبذر الحب، ونرجو الثمر من الرب.

     وقد ذكر القرآن لنا نموذجًا مـن الاعتمـاد علـى الأسباب الظـاهرة وحـدهـا فـإذا هـي لا تحقق نتائجها، وذلك في قولـه تعـالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ [التوبة:٢٥].

     لقد خذلوا وهم كثرة؛ حيث غرهم الكم، وأذهلهم عـن التوكـل، فـلـم يـغـن الكـم الكثير شيئا، على حين انتصروا وهم قلة؛ إذ كان اعتمادهم على الله وحده، بعد أن بذلوا ما استطاعوا. [التوكل للقرضاوي ص٦٥].

أصناف الناس بالنسبة للأسباب:

الناس مع الأسباب في عصرنا أصناف:

الصنف الأول: معطلو الأسباب:

     وهم الذين أعرضوا بأبدانهم وقلوبهم بدعوى التوكل على الله تعالى. وقد خطأ هؤلاء، ووجود هذا الصنف في عصرنا الحالي نادر.

     الصنف الثاني: المعتمدون على الأسباب دون مسببها: وهم الذين تشبثوا بالأسباب بجوارحهم وقلوبهم وغفلـوا عـن مسـببها، وخالقهـا، فكل نظرهم إليها، وكل اعتمادهم عليها، حتى أمست وكأنها آلهة تُعبـد مـع الله، أو مـن دون الله!.

     وهؤلاء للأسف الشديد أكثر الخلق، فلا يكاد أحدهم يرى الرزق إلا في الوظيفة التي يقبض راتبه منها كل شهر، أو التجارة التي تعود عليه بالربح كل عام .. ولهذا نرى أحدهم يقول: لولا فلان لخسرنا، ولولا خبرتي وتصرفي لضعنا .. وقلما يذكر أحد ربه الذي هيأ له هذا أو تلك، ورزقه من حيث يحتسب أو لا يحتسـب .. فكـأن هـؤلاء بـاتوا في أمـر الـرزق والتدبير في مرتبة دون مرتبة المشركين الذين حدثنا القرآن عنهم أنهـم كـانـوا يـردون أمـر الرزق والتدبير والإحياء والإماتة إلى الله سبحانه، لا إلى أصنامهم ولا إلى أحد من خلقه يقول الله تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ ۚ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس:٣١]. [التوكل للقرضاوي: ص (70 – 74].

الصنف الثالث: المستعينون بالأسباب على المعاصي:

     وهذا الصنف أسوأ من الصنف الثاني، فإن الصنف الثاني اعتمدوا على الأسباب في المباحات، وهؤلاء استخدموا في المحرمات؛ استعانوا بالأسباب المسخرة من الله على معاصي الله؛ استعملوا ذكاءهم وتدبيرهم في عصيان الخالق، وإيـذاء الخلـق؛ واستخدموا قوتهم وجاههم في البطش بالمستضعفين، والعـدوان على حقـوق المغلوبين؛ وسخروا أموالهم ومكاسبهم في اتباع الشهوات، وإشـاعة الفاحشـة، وترويج الفساد في ا الأرض؛ وجعلوا من مناصبهم وولاياتهم أداة لظلم الضعفاء، ومحاباة الأقوياء والإثراء مـن الحـرام، وإعلاء الباطل على الحق، والمنكر على المعروف؛ حتى العلم، وجهـوه لخدمـة المـادة على حساب الروح، ولتسير المتعة على حساب القيم، بل علم الدين نفسه أحالوه آلة لاقتناص الدنيا؛ فأحلّوا ما حرم الله، وحرموا ما أحل الله، وأسقطوا ما أوجب الله.

     وقد صور شاعر النيل حافظ إبراهيم أنواعا من هذا الصنف فأبدع في تصويره حين قال:

كم عالم مـد العلـوم حبـائلاً           لوقيعـة وقطيعـة وفـراق

وطبيب قوم قـد أحـل لطبـه           مـا لا تُحـل شـريعة الخـلاق

قتل الأجئة في البطون، وتـارة         جمـع الـدراهم في دم مهـراق

أغلى وأثمن من تجـارب علمـه         يوم الفخـار تجـارب الحـلاق

وفقيه قوم ظـل يرصـد فقهـه           لمكيـدة أو مسـتحل طـلاق

يمشي وقد نصبت عليه عمامـة       كالبرج، لكن فوق تـل نفـاق

يدعونه عند الشقاق ومـا دروا        أن الذي يدعون خـدن شـقاق

وأديـب قـوم تستحق يمينه            قطع الأنامل أو لظـى الإحـراق

في كفـه قلـم يـمـج لعابـه               سـمًا، وينفثـه علـى الأوراق

يرد الحقائق وهي بـيض نصع         قدـسـية علويـة الإشـراق

فيردهـا شــودا جنباتهـا                 من ظلمة التمويه ألـف نطـاق

     لقد جعل الله الأسباب لخلقه نعمة؛ فجعلها هـؤلاء نقمـة، حين انحرفـوا بـهـا إلى ما يسخط الله تبارك وتعالى.

     ومثل هؤلاء: من شـغلتهم الأسـباب عـن أداء فـرائض الله – عز وجـل – فأولئـك استعانوا بالأسباب على فعل المحظورات، وهؤلاء ألهتهم عن فعل المأمور كمـا قـال تـعـالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون:٩].

والصنف الرابع: من جمعوا بين السبب والتوكل على المسبب:

     هو الذي أخذ بالأسباب، ولم يغفل عن مسببها؛ فهو مع الأسباب بجوارحه وبدنه، ومع ربه بعقله وقلبه؛ فهذا هو المتوكل حقا.

      هو الذي رعى سنة الله في خلقه، وأحكامه في شـرعه؛ موقنـا أن الله تعـالى هـو الـذي وضع الأسباب، وأمر باتخاذها، ورتب عليها آثارها قدرا وشـرعا، وهـو في الوقت نفسه القادر على أن يعطلها إن شاء، وأن يخلق من الموانع ما يعوق سيرها، أو يبطل أثرها.

    هذا الصنف هو الذي أحسن الفهم عن الله ورسـوله؛ فعقـل ناقتـه وتوكـل، وبـذر الحب، واعتمد على الرب، ومشى في مناكب الأرض التي ذللها الله، آكـلا مـن رزق الله، وباع واشترى؛ ولكن لم تلهه تجارة ولا بيـع عـن ذكـر الله .. وإذا نـودي للصـلاة مـن يـوم الجمعة، ترك بيعه، وجمد سببه، ساعيا إلى ذكر الله، فإذا قضيت الصـلاة انتشـر في الأرض مبتغيا من فضل الله .. ا.هـ [انظر: التوكل للقرضاوي، الرائد لمازن الفريح : 1/١٠٠ – ١٠٣].

من أهم ما يساعد على تيسير الأسباب هو:

تقوى الله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق:4].

الدعاء: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: «اللَّهمَّ رحمتَك أَرجو فلا تَكِلني إلى نَفسِي طرفةَ عينٍ، وأصلِح لي شَأني كلَّه لا إلَه إلَّا أنتَ» [رواه أبوداود]، وقال: «اللَّهمَّ لا سَهلَ إلَّا ما جَعَلتَه سَهلًا، وأنتَ تَجعَلُ الحَزْنَ إذا شِئتَ سَهلًا» [رواه ابن حبان في صحيحه]، وإبراهيم عليه السلام قال: حسبي الله ونعم الوكيل فأنقذه الله من النار.

الحرمان من حصول المطلوب: بسبب ذنب أو لسبب آخر يقدر الله تعالى على العبد، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: «إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه». [رواه أحمد وابن ماجه، وصححه ابن حبان والحاكم].