الحمد لله العلي الأعلى، الكامل في الأسماء الحسنى والصفات العليا، رب السماوات ورب الأرض ورب الآخرة والأولى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الفضل والجود الذي لا يحصى، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أفضل من تعبد لله ودعا، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن بهداهم اهتدى وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد فاتقوا الله عباد الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:102]، واعلموا أن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة واحصاؤها معرفة لفظها ومعناها والتعبد لله بها، فمن أسمائه تعالى: الله، الحي القيوم، العليم القدير، السميع البصير، الرحمن الرحيم، العزيز الحكيم، القوي الملك، القدوس السلام، الجبار، ومن أسمائه تعالى (المتكبر) أي ذو الكبرياء والعظمة، فالكبرياء وصفه المختص به فليس لأحد من المخلوقين أن ينازعه في ذلك، ومن نازعه في الكبرياء أذاقه الله الذل والهوان، قال عليه الصلاة والسلام: «قالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: الكبرياءُ ردائي، والعظمةُ إزاري، فمَن نازعَني واحدًا منهُما، قذفتُهُ في النَّارِ» [رواه أبو داود، وأحمد واللفظ لهما، وابن ماجه]، وكان صلى الله عليه وسلم يقولُ في ركوعِه: «سُبحانَ ذي الجبَروتِ والملَكوتِ والكِبرياءِ والعَظَمةِ» [رواه مسلم]، وقال عليه الصلاة والسلام: «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ أحَدٌ في قَلْبِهِ مِثْقالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِن كِبْرِياءَ» [رواه مسلم]، أما الباريء فإنه لكمال عظمته وعزه وقهره وملكه اختص سبحانه بالكبرياء والعظمة.
ومن أسمائه تعالى (الرزاق) الذي عم برزقه كل شيء، ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود:6]، رزق الله الأجنة في بطون الأمهات، والحيتان في قعار البحار، والسباع في مهامه القفار، والطيور في أعالي الأوكار، ورزق كل حيوان وهداه لتحصيل معاشه، فأعطى كل شيء خلقه ثم هدى، ولو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو في الصباح خماصًا جائعة، ثم تروح في المساء بطانًا ممتلئة بطونها بما يسر الله لها من الرزق والأقوات، ومن رزق الله تعالى ما يمن الله به على من شاء من خلقه من حسن الخلق وسماحة النفس، ومن رزقه تعالى ما يمن الله به على من يشاء من العلم النافع والإيمان الصحيح والعمل الصالح الدائب وهذا أعظم رزق يمن الله به على العبد: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق:2- 3]، وهو سبحانه (المعطي المانع) فكم من سائل أعطاه سؤله؟ وكم من محتاج أعطاه حاجته ودفع ضرورته؟ وإنه تعالى ليستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرًا، وكم منع سبحانه من بلاء انعقدت أسبابه فمنعه عن عباده ودفعه عنهم، فلا مانع لما أعطى ولا مُعطي لما منع، وهو سبحانه الذي بيده النفع والضر، إن جاءك نفع فمن الله، وإن حصل عليك ضر لم يكشفه سواه، «واعلَم أنَّ الأمَّةَ لو اجتَمعت علَى أن ينفَعوكَ بشَيءٍ لم يَنفعوكَ إلَّا بشيءٍ قد كتبَهُ اللَّهُ لَكَ، وإن اجتَمَعوا على أن يضرُّوكَ بشَيءٍ لم يَضرُّوكَ إلَّا بشيءٍ قد كتبَهُ اللَّهُ عليكَ، رُفِعَتِ الأقلامُ وجفَّتِ الصُّحفُ» [رواه الترمذي]، فربك هو المدبر المتصرف بخلقه كما يشاء فالجأ إليه عند الشدائد تجده قريبًا، وافزع إليه بالدعاء تجده مجيبًا، وإذا عملت سوءًا أو ظلمت نفسك فاستغفره تجده غفورًا رحيمًا، ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:135]. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه…
الخطبة الثانية:
عباد الله إن من أسمائه تعالى (العزيز) فلله العزة جميعًا، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين، فهو العزيز الذي لا يُغلب، فما من جموع ولا أجناد ولا قوة إلا وهي ذليلة أمام عزة الله عز وجل، ذلت لعزته الصعابُ ولانت لقوته الشدائدُ الصلاب: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:249]، ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة:21].
وهو العزيز فلن يُرام جنابه أنى يُرام جنابُ ذي السلطان
وهو العزيز القاهر الغلاب لم يغلبه شيء هذه صفتان
وهو العزيز بقوة هي وصفهم فالعز حينئذ ثلاثُ معان
وهي التي كملت له سبحانه كملت له هذه الثلاث معاني [النونية لابن القيم]
فهو العزيز الذي لا يرام جنابه، بمعنى أنه لا يصل أحد إلى ضره فيضره، ولا يستطيع أحد أن يسلبه شيئًا أو أن يُنقص من صفته أو من فعله أو من مُلكه شيئًا، بل هو جل وعلا الممتنع الذي لا يرام جنابه، وهو العزيز بمعنى القاهرُ الغلابُ، عزيز يقهر غيره، عزيز يغلب غيره، لا يستطيع أحد أن يُغالبه أو أن يقهره، بل هو جل وعلا لتمام قدرته وقهره وجبروته وعظمته هو الذي يَقهر ولا يُقهر، وهو الذي يَغلب ولا يُغلب، والعزة بمعنى القوة كذلك فاجتمعت هذه الثلاث معاني لله جل وعلا. [شرح الواسطية لصالح آل الشيخ].
واعلموا عباد الله أن الله تعالى قال قولا كريمًا تنبيهًا لكم وتعليمًا وتشريفًا لقدر نبيه وتعظيمًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾…[من خطب الشيخ ابن عثيمين رحمه الله بتصرف].