خطبة ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَىٰ﴾

     المسلمون وهم في طريقهم لفتح خيبر في السَّنةِ السَّابعةِ مِن الهِجْرةِ، وكانت قَرْيةً يَسكُنُها اليَهودُ، وكانت ذاتَ حُصونٍ ومَزارِعَ، فأصابهم الجوع الشديد، فوجدوا حميرًا أجلكم الله فذبحوا منها وسلخوها وقطّعوها ووضعوها في القدور، وأوقدوا النيران تحتها، وغلت القدور، وبطونهم تنتظر هذا الطعام من شدة الجوع، وحين نضج اللحم وأصبح جاهزًا للأكل جاء الامتحان الرباني على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم عبدالرحمن بن عوف أن ينادي في الناس فيقول: «ألا إن لحومَ الحُمُرِ الأنسِ، لا تَحِلُّ لمن يشهدَ أني رسولُ اللهِ» [رواه النسائي]، وقال: «اكْفَؤُوا القُدُورَ، وَلَا تَأْكُلُوا مِن لُحُومِ الحُمُرِ شيئًا». [متفق عليه].

     والمنْهيُّ عنه هو لُحومُ الحُمُرِ الأهليَّةِ وليست الوَحْشيَّةِ، وانظروا عباد الله، لم يأت الأمر بعد الذبح أو السلخ أو الطبخ، إنما جاء بعد أن نضج اللحم وكان جاهزًا للأكل، إنه امتحان شديد على النفس البشرية، ولكن الصحابة رضي الله عنهم أجمعين نفذوا الأمر بدون تردد، فكُفأت القدور ولم يتناول منها مسلمٌ شيئًا، وفتح الله عليهم الحصون وغنموا طعامًا وشرابًا وأموالا كثيرة بفضل الله تعالى.

     الاستجابة لأمر الله ورسوله دليل على صدق الإيمان وقوة اليقين وشدة الحب لله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم، عبد الله عندما تسمع آية فيها أمر الله سبحانه وتعالى، وعندما تسمع حديثًا فيه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، هل تتقبل ذلك مباشرة دون تلكؤ؟ دون تباطؤ؟ دون تململ؟ أم أننا نماطل، ونسوف، ونبرر؟! تأمل معي قول الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:24]، عندما يبلغك حُكم الله في مسألة من شؤون حياتك، وعندما يبلغك حُكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في قضية من قضايا معاشك، كم يمضي عليك من الزمن لتمتثل حُكم الله وحُكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هل تطبق أمرهما بأسرع صورة ممكنة؟ أم تتريث حينًا من الدهر، يومًا، أسبوعًا، شهرًا وربما أكثر من ذلك؟ يقول تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:65].

     لما اختار موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام سبعين رجلاً لميقات وقَّته له رب العالمين، أسرع موسى للقاء الله تعالى وخلَّف قومه وراءه، فعجب الله منه، قال تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى . قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه:83، 84].

     و«لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:214]، صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا فجعل ينادي: يا بني فهر، يا بني عدي -لبطون من قريش- حتى اجتمعوا» [رواه البخاري عن ابن عباس رصي الله عنهما].

     وانظر لاستجابة نساء المسلمين لأمر الله عز وجل وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، عن صفية بنت شيبة: أنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَانَتْ تَقُولُ لَمَّا نَزَلَتْ هذِه الآيَةُ: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بخُمُرِهِنَّ علَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور:31]، أخَذْنَ أُزْرَهُنَّ فَشَقَّقْنَهَا مِن قِبَلِ الحَوَاشِي فَاخْتَمَرْنَ بهَا. [رواه البخاري].

     وأنتم يا عباد الله كنتم تُمسكون في شهر رمضان في وقت محدد، وتُفطرون في وقت محدد، وتقومون رمضان، وفي إخراجكم لزكاة الفطر، وفي ذهابكم لصلاة العيد، لماذا كل هذا؟ إنها الاستجابة لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، فما أجمل أن نستجيب لله ولرسوله في إيماننا وعباداتنا وأخلاقنا ومعاملاتنا، ما أجمل أن نستجيب لله ولرسوله في السياسة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية والدولية، ما أجمل أن نستجيب لله ولرسوله في العسر واليسر والمنشط والمكره، ما أجمل أن نستجيب لله ولرسوله في تربيتنا لأولادنا ومع أهلنا وجيراننا ومع الناس من حولنا.

     وليكن شعارنا: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور:51، 52].

أقول قولي هذا وأستغفر الله…

الخطبة الثانية:

     قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَىٰ وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَٰئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [الرعد:18].

     وعد من الله جل وعلا لمن استجاب لأوامره وانتهى عن نواهيه أن له الحسنى وهي الجنة، وأن من لم يستجب له فله العذاب الشديد والعياذ بالله.

      قال ابن القيم رحمه الله: والخبر أن من ترك الاستجابة له ولرسوله، حال بينه وبين قلبه عقوبةً له على ترك الاستجابة، فإنه سُبحانه يُعاقب القلوب بإزاغتها عن هداها ثانيًا كما زاغت عنه أولا، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:5].

﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:8].

اللهم مصرف القلوب والأبصار صرف قلوبنا على طاعتك..

اللهم مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك…