إن هناك من بني جلدتنا من يخرجون علينا بين فترة وأخرى يتكلمون وينافحون ويكافحون ضد مسألة شرعية من مسائل ديننا، لا يريدون أن يُطبق دين الله في الأرض، وهم يدعون الحرية في الأديان والمعتقدات، ولك أن تعتقد بما شئت، ولكن إن اخترت الإسلام دينًا ومعتقدًا حاربوك وهاجوا وماجوا، ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ * مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة:16-18].
لم نسمع من أحد منهم ضجة على سعي دول الكفر في إقرار قانون المثليين، ولا على تقييد الحريات في فرنسا وهي تحارب الحجاب والمسلمين، ولا على أي شيء يقف مع ديننا، لماذا؟! لأن الحرية عندهم مقتصرة على أفكارهم وما يعتقدون، حرية كاذبة مزعومة، واعتقاد ضال ومضطرب، ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [اللتوبة:32]، وهذا هو حال المنافقين الذين يحبون الكفر وأهله ويُظهرون الإسلام قال تعالى: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران:119]، أي: مهما كنتم تحسدون عليه المؤمنين ويغيظكم ذلك منهم، فاعلموا أن الله مُتم نعمته على عباده المؤمنين، ومُكملٌ دينه، ومُعلٍ كلمته، ومُظهرٌ دينه، فموتوا أنتم بغيظكم ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: هو عليم بما تنطوي عليه ضمائركم، وتكنه سرائركم من البغضاء والحسد والغل للمؤمنين، وهو مجازيكم عليه في الدنيا بأن يريكم خلاف ما تؤملون، وفي الآخرة بالعذاب الشديد في النار التي أنتم خالدون فيها، فلا خروج لكم منها. [تفسير القرآن العظيم].
عباد الله لقد أخبرنا صلى الله عليه وسلم عن صفات أربعة إذا وجدت في شخص كان منافقا خالصًا، وإذا وجدت فيه واحدة من هذه الصفات وجدت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، قال عليه الصلاة والسلام: «أَرْبَعٌ مَن كُنَّ فيه كانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، ومَن كَانَتْ فيه خَصْلَةٌ منهنَّ كَانَتْ فيه خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حتَّى يَدَعَهَا: إذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وإذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وإذَا خَاصَمَ فَجَرَ» [رواه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري].
وابحثوا عن هذه الصفات في هؤلاء المحاربين للإسلام ستجدونها فيهم بلا شك.
حَسَدوا الفَتى إِذ لَم يَنالوا سَعيهُ فَالقَومُ أَعداءٌ لَهُ وَخُصومُ
وَكَذاكَ مَن عَظُمَت عَليهِ نِعمَةٌ حُسّادُه سَيفٌ عَليهِ صَرومُ
نعمة الإسلام يا عباد الله نعمة عظيمة، فهو الدين الحق، وهو الدين الذي لا يرتضي ربنا جل وعلا غيره، ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:85]، وقال عليه الصلاة والسلام وهو يبين أن الفلاح والسعادة إنما هي في اعتناق دين الله عز وجل دين الإسلام: «قَدْ أَفْلَحَ مَن أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بما آتَاهُ» [رواه مسلم]، قدْ حاز الفَلَاحَ وفاز به، مَن أَسْلَمَ إسلامًا صَحيحًا؛ لأنَّه خَلَص مِن الكُفرِ والشِّركِ، وهو الذَّنْبُ الَّذي لا يَغفِرُه الله، ورُزِقَ الكِفايَةَ وهي الرِّزقُ الحلالُ بلا زِيادةٍ ولا نَقْصٍ، ورَزَقَه اللهُ القَناعَةَ بما عندَه مِن الكَفافِ، فلم تَطمَحْ نفْسُه لطلَبِ ما زاد على ذلك.
عباد الله ديننا دين طاهر عفيف، مُحكم، كامل بتكميل الله عز وجل له، ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة:3]، دين يَدْعُ لكل فضيلة ولكل خُلق حسن، فلا يشك مسلم في أن هذا الدين به تناقض أو نقص أو أن غيره أفضل منه، لأنه الدين الذي شرعه الله لعباده، شرعه الخالق للمخلوق، وما يظنه البعض من وجود تناقض أو خلل أو نقص في الدين إنما هو في الحقيقة نقص وخلل في فهمهم لهذا الدين وحقيقته، خلل في عقولهم أنها لم تدرك الأمر على حقيقته، قُصور في علمهم بدين الله عز وجل، لأنه من المستحيل أن يخلقك الخالق ويأمرك بشيء تخالف فيه أمره، أو أنه لم ينتبه له ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:43]، لذلك لابد من أن نعتز بديننا، مر عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو عائد من الشام على أرض بها طين فنزل من بعيره وخاض في الطين يريد أن يعبر هذا المكان، فقال له أبوعبيدة رضي الله عنه: قد صنعت اليوم صنيعًا عظيمًا عند أهل الأرض! فضرب عمر رضي الله عنه على صدر أبي عبيدة وقال: لَوْ غَيْرُكَ يَقُولُ هَذَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ، إِنَّكُمْ كُنْتُمْ أَذَلَّ النَّاسِ، وَأَقَلَّ النَّاسِ، وَأَحْقَرَ النَّاسِ، فَأَعَزَّكُمُ اللَّهُ بِالإسْلامِ، فَمَهْمَا تَطْلُبُوا الْعِزَّ بِغَيْرِهِ يُذِلّكُمُ اللَّهُ. [الزهد والرقائق لابن المبارك باب ما جاء في الفقر].
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، واجعلنا من المعتزين بديننا يا رب العالمين، أقول…
الخطبة الثانية:
إن العزة بالإسلام إنما هي قوة وشدة على أعداء الله، وجهادًا لهم وثباتًا وصبرًا على أذاهم، وإرغامًا لأنوفهم بكل وسيلة شرعها الله، وهي في الوقت ذاته رحمة للمؤمنين ولين عليهم وألفة لهم وبهذا يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:29]، ويقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة:54]، فالعزة طريق النصر ولا يمكن لمرء يخجل من دينه وانتمائه لهذا الإسلام أن يكون قويًا مدافعًا عن فكرته ومبادئه لأن فاقد الشيء لا يعطيه، فالذي دخل الوهن والضَعْفُ في قلبه أنى له أن يُقنع الآخرين بما يحمل من أمانة ورسالة؟!
أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم
وما كرمٌ ولو شَرُفَتْ جُدودٌ ولكن التقي هو الكريم
فاللهم أحينا مسلمين وتوفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين يا رب العالمين…
اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين…