الحمد لله بارئ النسم، خالق اللوح والقلم، الحليم المتجاوز عن زلة عبده إذا ندم، اللطيف بعبده إذا اشتكى ما أصابه من ألم، أحمد الله ربي مُغدِق النعم، وأشهد أن لا إله إلا هو، خلق الإنسان من عدم، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، سيد العرب والعجم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الذين تعلموا وعلموا بالقلم، أما بعد فاتقوا الله عباد الله ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:2-3].
قال جل وعلا: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ [القيامة:5]. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: يعني الأمل، يقول الإنسان: أعمل ثم أتوب قبل يوم القيامة. [جامع التأويل للطبري]، وقال الضحاك رحمه الله: هو الأمل يؤمل الإنسان، أعيش وأصيب من الدنيا كذا، وأصيب كذا، ولا يذكر الموت. [جامع التأويل للطبري]، فابن آدم لا يجهل أن ربه قادر على أن يجمع عظامه، ولكنه يريد أن يمضي أمامه قُدُما في معاصي الله، لا يُثنيه عنها شيء، ولا يتوب منها أبدًا، ويسوّف التوبة. [جامع التأويل للطبري بتصرف].
والتسويف يا عباد الله منه المذموم: وهو التأجيل أو التأخير لتنفيذ المطلوب بغير مبرر، وهو الذي نبه إليه الحق تبارك وتعالى بقوله: ﴿وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون:10]. وهانحن في نهاية عام فكم فاتتك يا عبدالله من أمور كنت تريد عملها في العام الفائت؟! ولكنه التسويف المذموم.
وأما التسويف المحمود: فهو الوعد والوعيد، بفعل الخير، أو ترك الشر، كما قال تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ [الضحى:5]، وكما قال يعقوب عليه السلام
لأولاده: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يوسف:98].
وللتسويف أسباب وبواعث تُوقع به، منها: الأسرة التي تبني حياتها على التسويف، فالأب، والأم، والأجداد، والإخوة الكبار غارقون في تسويف الأمور.
وَيَنشَأُ ناشِئُ الفِتيانِ مِنّا عَلى ما كانَ عَوَّدَهُ أَبوهُ
وَما دانَ الفَتى بِحِجىً وَلَكِن يُعَلِّمُهُ التَدَيُّنَ أَقرَبوهُ
ومن الأسباب صُحبة الكسالى والمسوفين: قال عليه الصلاة والسلام: «الرجلُ على دينِ خليلِه فلينظرْ أحدُكم من يُخالِلُ» [صحيح أبي داود (4833)].
فَلا تَصحَب أَخا الجَهلِ وَإياكَ وَاِيّاهُ
فَكَم مِن جاهِلٍ أَردى حَليماً حينَ آخاهُ
يُقاسُ المرءُ بِالمرءِ إِذا ما هُوَ ماشاهُ
ومن الأسباب: ضَعْفُ الإرادة أو الكسل والتراخي مع النفس: ومن هنا نفهم استعاذته صلى الله عليه وسلم الدائمة من العجز والكسل، إذ كان كثيرًا ما يدعو في الصباح والمساء بهذا الدعاء: «اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بكَ مِنَ العَجْزِ والكَسَلِ، والجُبْنِ والهَرَمِ، وأَعُوذُ بكَ مِن فِتْنَةِ المَحْيا والمَماتِ، وأَعُوذُ بكَ مِن عَذابِ القَبْرِ» [رواه البخاري (2823)].
ومنها أمن مكر الله عز وجل: وقد يكون أمن مكر الله سببًا من الأسباب التي تُوقع في التسويف، إذ الإنسان مجبولٌ على المبادرة والإسراع بأداء ما يُطلب منه عندما يخاف، وعلى التواني والتفريط إذا أمن، ولقد أشار رب العزة إلى هذا السبب عند حديثه عن الكفار ومُضيهم في كفرهم وباطلهم، فقال سبحانه: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:97-99].
ومن الأسباب التي توقع في التسويف: طول الأمل مع نسيان الموت والدار الآخرة: يقول ابن الجوزي رحمه الله: يجب على من لا يدري متى يبغته الموت أن يكون مستعدًا، ولا يغتر بالشباب والصحة، فإن أقل من يموت الأشياخ، وأكثرُ من يموت الشبان، ولهذا يندر من يكبر، وقد أنشدوا: يُعمَّرُ واحدٌ فيُغِرُّ قومًا … ويُنسى من يموت من الشباب، ومن الاغترار طولُ الأمل، وما من آفة أعظم منه، فإنه لولا طولُ الأمل ما وقع إهمالٌ أصلا، وإنما يُقدِّمُ المعاصي، ويُؤخر التوبةَ لطولِ الأمل، وتُبادَرُ الشهوات، وتُنسى الإنابة لطول الأمل. [صيد الخاطر – الاستعداد ليوم الرحيل].
وقد حذر صلى الله عليه وسلم من طول الأمل، والركون إلى الدنيا، والغفلة عن الآخرة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلي الله علية وسلم يقول: «لا يزال قلب الكبير شابًا في اثنين: في حب الدنيا، وطول الأمل» [رواه البخاري].
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
من أسباب التسويف أحبتي الكرام، التعويل على عفو الله ومغفرته مع نسيان شدة أخذه وعقابه: فالله عز وجل قال عن نفسه: ﴿غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر:3]. فيميل الإنسان إلى مغفرة الله عز وجل ورجائه وينسى عقابه والخوف منه سبحانه وتعالى فلا يحاسب نفسه على تقصيرها تجاه ربها جل وعلا.
ومن الأسباب عدم تقدير العواقب والآثار المترتبة على التسويف: ﴿وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون:10-11].
وأما العلاج من التسويف يا عباد الله فيكون بأخذ النفس بالحزم، وقوة العزيمة، وتذكير النفس دومًا بأن التسويف عجز وضعف، مع دوام الدعاء والضراعة إلى الله عز وجل بالتحرر من العجز والكسل، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: من القوة ألا تؤخر عمل اليوم إلى الغد. والابتعادُ عن صُحبة الكسالى والمسوفين، ودوام معايشة الكتاب والسنة، والاحتراز من المعاصي والسيئات بألا يقع فيها المسلم أصلا، وإن وقع بادر بالتوبة، فإن أكثر التسويف مبعثه الانغماس في المعاصي والسيئات، وعلى العبد تذكر الموت والدار الآخرة على الدوام.
هذا وصلوا وسلموا رحمكم الله على النبي الكريم إذ أمركم ربكم بذلك فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:56].