الحمد لله مُدبر الليالي والأيام، ومُصرف الشهور والأعوام، الملك القدوس السلام، المتفرد بالعظمة والبقاء والدوام، المتنزه عن النقائض ومُشابهة الأنام، يرى ما في داخل العروق وبواطن العظام، ويسمع خفي الصوت ولطيف الكلام، إلهٌ رحيم كثير الإنعام، وربٌ قدير شديد الانتقام، قدر الأمور فأجراها على أحسن النظام، وشرع الشرائع فأحكمها أيما إحكام، بقدرته تهب الرياح ويسير الغمام، وبحكمته ورحمته تتعاقب الليالي والأيام. أحمده على جليل الصفات وجميل الإنعام، وأشكره شكر من طلب المزيد ودام، وأشهد أن لا إله إلا الله الذي لا تحيط به العقول والأوهام، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أفضل الأنام، صلى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكر السابق إلى الإسلام، وعلى عمر الذي إذا رآه الشيطان هام، وعلى عثمان الذي جهز بماله جيش العسرة وأقام، وعلى علي الخضم والأسد الضرغام، وعلى سائر آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان على الدوام، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد، فاتقوا الله عباد الله، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:102].
قال تعالى: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [النور:44].
﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ من حر إلى برد، ومن برد إلى حر، من ليل إلى نهار، ومن نهار إلى ليل، ويُديل الأيام بين عباده، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾. [تيسير الكريم الرحمن].
والتقليبُ – يا عباد الله أنواع منها – الحسِّي: أنَّ الله يَقْلِب الأرضَ بَدَلًا مِن أنْ كانتْ ضياءً ونهارًا إلى ليلٍ، ثم إلى نهارٍ، وهكذا… – ومنها – التقليب المعنوي ما يَحصُل في هذه الأيام مِن الحوادثِ والتغيُّرات، والعِزِّ والنَّصْر والإذلال والخذلان؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠] … ومِن التقليب أيضًا تقليبُ الفصول؛ حيث يطولُ اللَّيلُ والنَّهارُ مَرَّةً في وقت الشتاء ومَرَّةً في وقت الصيف، كل هذا من التقليب. [تفسير ابن عثيمين لسورة النور بتصرف].
وها نحن يا عباد الله كنا ننتظر شهر رمضان، فأصبحنا في العشر الأخير منه، فسبحان مقلب الليل والنهار، والسعيدُ من اتعظ بسير الليالي والأيام، ولم يغفل عن عمره فيُضيعه في شهوات ولذات فانية، ويأتي يوم القيامة ولم يجن شيئًا من الحسنات، فيقول حينها: ﴿يَا حَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر:56]، يوم القيامة يتحسر المجرم المفرط في التوبة والإنابة، ويود لو كان من المحسنين المخلصين المطيعين لله – عز وجل -. [تفسير القرآن العظيم].
| فيا شهر الصيـــام فدتك نفسي | *** | تمهل بالرحيل والانتقـــــــــــــــــــــال |
| فما أدري إذا ما الحـــــــــــــــــول ولى | *** | وعُدْت بقابل في خير حـــال |
| أتلقاني مع الأحيـــــــــــــــــــــــــــــــــاء حيًّا | *** | أو أنك تلقني في اللحد بالي |
فسارعوا يا عباد الله للأعمال الصالحة، وإياكم وفوات الأجر وخُسران التجارة الرابحة، فقد كان من هديه صلى الله عليه وسلم في هذه العشر كما قالت أمنا عَائِشَة رضي لله عنها: كَانَ النَّبي صلى الله عليه وسلم إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ. [رواه البخاري].
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ. [رواه البخاري].
وعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قالت: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مَا لاَ يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ. [رواه مسلم].
وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أنه يتحرى ليلة القدر ويقول في فضائل شهر رمضان: «فِيهِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ». [رواه أحمد في مسنده: (12/ 134) وصحح إسناده أحمد شاكر].
ويقول: «فَالْتَمِسُوهَا في الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، وَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْرٍ». [رواه البخاري].
ويُستحب لمن أدرك هذه العشرَ الإكثارُ من الدعاء فيها، قالت عَائِشَةَ رضي الله عنها: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أرأيْتَ إنْ عَلِمتُ أيَّ ليلةٍ لَيلةُ القدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: «قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّى». [رواه الترمذي].
وعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُسْرٍ رضي الله عنه قَالَ: قال النَّبِي صلى الله عليه وسلم: «طُوبَى لِمَنْ وَجَدَ في صَحِيفَتِهِ اسْتِغْفَارًا كَثِيرًا». [رواه ابن ماجه بإسناد صحيح].
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لنا ذنوبنا كُلَّها دِقَّها، وجِلَّها، وأَوَّلَها وآخِرَها وعَلانِيَتَها وسِرَّها يا رب العالمين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله المنتصر لأوليائه، المنتقم من أعدائه، المتفرد بعظمته وكبريائه، المقدس بصفاته وأسمائه، لا يعزب عنه مثقال ذرة في أرضه ولا سمائه، أحمده على ما أسبغ من نعمائه، وأسبل من عطائه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أدخرها ليوم لقائه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله خاتَمُ أنبيائه، وصفوة رسله وأُمنائه، أما بعد فاتقوا الله عباد الله.
لَقَدْ ضَاقَتِ الْأُمَّةُ الْإِسْلَامِيَّةُ بِالصَّهَايِنَةِ الْمُعْتَدِينَ فِي الْأَرْضِ الْمُبَارَكَةِ فِلَسْطِينَ، وَتَجَاوُزِ الصَّهَايِنَةِ حُدُودَهُمْ، وَبَلَغَ طُغْيَانُهُمْ أَنِ اقْتَحَمُوا الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى فِي هَذِهِ اللَّيَالِي الْمُبَارَكَةِ وَتَجَاوَزُوا إِلَى حُرُمَاتِ الْمُسْلِمينَ فِي أَقْصَاهُمُ الْمُبَارَكِ.
وَلَمْ تَنْسَ الْأُمَّةُ أَقْصَاهَا وَأَرْضَهَا الْمُبَارَكَةَ فِلَسْطِينَ؛ فَهُوَ مَسْرَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء:1].
كَانَتْ وَمَاتَـزَالُ أَحْلَامُ الصَّهَايِنَةِ وَمُخَطَّطَاتُهُمْ هَدْمَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وإِزَالَتَهُ وَتَحْوِيلَهُ إِلَى مَا يُسَمَّى بِالْهَيْكَلِ، كَمَا صَرَّحَ مُؤَسِّسُ كِيَانِهِمْ: (إِنَّهُ لَا مَعْنَى لِإِسْرَائِيلَ بِدُونِ الْقُدْسِ، وَلَا مَعْنَى لِلْقُدْسِ بِدُونِ انْتِزَاعِ مَوْقِعِ الْهَيْكَلِ مِنَ الْعَرَبِ)، وَلِذَلِكَ قَامُوا بِحَرْقِ الْأَقْصَى وَعَمَلِيَّاتِ الِاقْتِحَامِ الْمُتَـكَرِّرَةِ وَإِعْمالِ حَفْرِيَّاتٍ تَحْتَ سَاحَاتِ الْمَسْجِدِ وَأَسَاسَاتِهِ، بِدَعْوَى الْبَحْثِ عَنْ آثَارٍ مُقَدَّسَةٍ، وَهُمْ يُرِيدُونَ هَدْمَهُ أَوْ تَعْرِيضَهُ لِلِانْهِيَارِ.
عِبَادَ اللهِ: إِنَّ الْأَقْصَى فِي خَطَرٍ شَدِيدٍ: فَمَنْعُ الْمُصَلِّينَ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ وَحِرْمَانُهُمْ مِنَ الدُّخُولِ إِلَيْهِ، وَفَرْضُ قُيُودٍ مُشَدَّدَةٍ، وَتَنْفِيذُ عَمَلِيَّاتِ اعْتِقَالٍ مُنَظَّمٍ لِشَبَابِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَالاعْتِدَاءٍ عَلَى الْمُصَلِّينَ وَالْمُعْتَكِفِينَ بِالضَّرْبِ وَالْإِيذَاءِ؛ لِإِثَارَةِ حَالَةٍ مِنَ الرُّعْبِ وَالْخَوْفِ بَيْنَ سُكَّانِ فِلَسْطِينَ الْأَبِيَّةِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ. إِنَّ إِخْوَانَنَا فِي فِلَسْطِينَ يَعِيشُونَ فِي وَطَنِهِمُ الْمُحْتَلِّ بَيْنَ حِصَارٍ جَائِرٍ، وَفَقْرٍ مُدْقِعٍ، وَبِطَالَةٍ، وَقَهْرٍ وَظُلْمٍ، فَلَا أَمْنَ وَلَا أَمَانَ بَلِ اعْتِقَالَاتٍ مُتَكَرِّرَةً وَاعْتِدَاءَاتٍ مُسْتَمِرَّةً فِي تَجَاوُزٍ صَارِخٍ لِجَمِيعِ الْقَوَانِينِ الدُّوَلِيَّةِ وَالْأَعْرَافِ الْإِنْسَانِيَّةِ، وَإِذَا عَجَزْنَا عَنِ النُّصْرَةِ الْحَقِيقِيَّةِ فَلَا نَعْجِزْ عَنِ النُّصْرَةِ بالدُّعَاءِ وَاللُّجُوءِ إِلَى اللهِ أَنْ يَكْشِفَ كُرْبَتَهُمْ. فاللهم عليك بيهود ومن عاونهم، خذهم أخذ عزيز مقتدر ياقوي ياعزيز ياذا الجلال والإكرام، اللَّهُمَّ أَبْرِمْ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ أَمْرًا رَشِيدًا، تُعِزُّ فِيهِ وَلِيَّكَ، وَتُذِلُّ فيه عَدُوَّكَ، وَيُعْمَلُ فِيهِ بِطَاعَتِكَ يا رب العالمين، اللهم حرر المسجد الأقصى من براثن اليهود الحاقدين، وارزقنا صلاة فيه قبل الممات يا رب العالمين، اللهم ومن أراد الإسلام والمسلمين بشر فأشغله في نفسه ورد كيده في نحره، واجعل تدبيره في تدميره ياذا الجلال والإكرام…