إن الرسول صلى الله عليه وسلم فتح لنا كل أبواب الخير، وأغلق علينا كل أبواب الشر؛ قال صلى الله عليه وسلم: «مَثَلِي ومَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ أوْقَدَ نارًا، فَجَعَلَ الجَنادِبُ والْفَراشُ يَقَعْنَ فيها، وهو يَذُبُّهُنَّ عَنْها، وأنا آخِذٌ بحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وأَنْتُمْ تَفَلَّتُونَ مِن يَدِي» [رواه مسلم].
فما من خير إلا دلَّنا عليه، وما من شر إلا دفعه عنا صلى الله عليه وسلم، ومن الصحابة والتابعين، والأئمة والعلماء، والدعاة وعامة المسلمين من يفتحون الخير ويُغلقون الشر؛ قال عليه الصلاة والسلام: «إن من الناسِ مفاتيحُ للخيرِ، مغاليقُ للشرِ، وإن من الناسِ مفاتيحُ للشرّ، مغاليقُ للخيرِ، فطوبى لمن جعلَ اللهُ مفاتيحَ الخيرِ على يديهِ، وويلٌ لمن جعلَ الله مفاتيحَ الشرِّ على يديهِ»؛ [السلسلة الصحيحة (1332)].
فلنكن أيها الأحباب مفاتيح الخير مغاليق الشر، وأهم الخير التوحيد: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:48]، فمن دعا وثنيًّا أو كتابيًّا للإسلام فأسلم، فقد فتح له أعظم باب للخير، وفتحُ أبواب الخير مأمورٌ به؛ قال سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:2].
ومن مجالات فتح أبواب الخير: العلم؛ تعليمًا وتأليفًا ونشرًا؛ قال صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ به مِنَ الهُدَى والعِلْمِ، كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أصابَ أرْضًا، فَكانَ مِنْها نَقِيَّةٌ، قَبِلَتِ الماءَ، فأنْبَتَتِ الكَلَأَ والعُشْبَ الكَثِيرَ، وكانَتْ مِنْها أجادِبُ، أمْسَكَتِ الماءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بها النَّاسَ، فَشَرِبُوا وسَقَوْا وزَرَعُوا، وأَصابَتْ مِنْها طائِفَةً أُخْرَى، إنَّما هي قِيعانٌ لا تُمْسِكُ ماءً ولا تُنْبِتُ كَلَأً، فَذلكَ مَثَلُ مَن فَقُهَ في دِينِ اللَّهِ، ونَفَعَهُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ به فَعَلِمَ وعَلَّمَ، ومَثَلُ مَن لَمْ يَرْفَعْ بذلكَ رَأْسًا، ولَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الذي أُرْسِلْتُ بهِ» [رواه البخاري]، فالذي يعلِّم الناس الخير، فقد قبِل الوحي ونشره بين الناس، وانتفع به المسلمون، فهو أرضٌ نقية، والذي أمسك العلم ولم ينشره بين الناس، ولكن حفظه لهم، فهو أجادب يستفيد منه مَن يبحث عنه، وأما القيعان فلا خير فيها.
فعلِّمِ الناسَ الخيرَ تَنَلْ مثل أجرهم؛ لذا حثَّنا سبحانه على تعليم أنفسنا: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:114]، وتعليم الآخرين: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:122]، فإذا علَّمت شخصًا الصلاة، فتحت له أعظم باب في الإسلام، وإذا علمته سُنَّةً، فتحت له باب خير، وإذا علَّمت أبناءك وبناتك السنن والآداب، فتحت لهم أبواب الخير.
ومن أبواب مفاتيح الخير: السنة الحسنة؛ كالصحابة رضي الله عنهم الذين جمعوا القرآن، ففتحوا للمسلمين باب خير عظيم، فكانوا قدوةً لكل من جمع القرآن وطبعه بعدهم، ومن يكون له السبق فيدل الناس على الخير، فهو من مفاتيح الخير؛ وقد قال الله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:74]، ويتفاوت الناس في ذلك.
وقد جاء قومٌ من الفقراء إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأثر لحاجتهم، فدعا الناس إلى الصدقة، فقام رجل بصدقة قليلة، فتتابع الناس بعده، فاستبشر النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «من سَنَّ في الإسلام سُنَّةً حسنة، فله أجرها، وأجر من عمِل بها من بعده إلى يوم القيامة» [رواه مسلم].
أجر عظيم أن تأتيَ يوم القيامة وتجد عند الله تعالى أعمالًا كثيرة، وجبالًا من الحسنات لم تعملها، ولكنها أُضيفت لك ممن استفاد منها ودللته على الخير فيها.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه…
الخطبة الثانية:
فكما أن المسلم مأمور بفتح أبواب الخير، فإنه مأمور بغلق أبواب الشر، وأعلى الشرِّ الشركُ؛ قال سبحانه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة:72]، والله تعالى أمر بغلق أبواب الشر: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة:2]، والرسول صلى الله عليه وسلم أمر بغلق أبواب الشر؛ وقال: «إنَّها سَتَكُونُ فِتَنٌ، ألَا ثُمَّ تَكُونُ فِتْنَةٌ: القاعِدُ فيها خَيْرٌ مِنَ الماشِي فيها، والْماشِي فيها خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي إلَيْها. ألَا فإذا نَزَلَتْ -أوْ وقَعَتْ- فمَن كانَ له إبِلٌ فَلْيَلْحَقْ بإبِلِهِ، ومَن كانَتْ له غَنَمٌ فَلْيَلْحَقْ بغَنَمِهِ، ومَن كانَتْ له أرْضٌ فَلْيَلْحَقْ بأَرْضِهِ» [رواه مسلم].
والمقصودُ مِن الحديثِ حَثُّ النَّاسِ على اعتزالِ الفِتنِ؛ فكلُّ مَن كان أكثَرَ اعتزالًا كان أبعَدَ مِن الشَّرِّ، ولنحذر جميعًا من نشر الشر، وإن من مجالات إغلاق أبواب الشر: الحُسبة؛ بمراقبة الأبناء والبنات، والزوجات والحُسبة الرسمية بالرقابة على الكتب ووسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، ففيها سدٌّ عظيم لأبواب الفتنة والبدعة والشر، فمن يقُمْ عليها بنية وإخلاص، يأجُرْهُ الله تعالى أجرًا عظيمًا، هذا وقد أمركم الله بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:56].
[مختصرة ومصححه من خطبة د.عصام الحميدان – موقع الألوكة]