يوم عرفة فضله عظيم، فعن أبي قتادة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ» [رواه مسلم (1162)].
وإن للصائم دعوة مستجابة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثَلَاثٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ، الإِمَامُ العَادِلُ، وَالصَّائِمُ حِينَ يُفْطِرُ، وَدَعْوَةُ المَظْلُومِ يَرْفَعُهَا فَوْقَ الغَمَامِ، وَتُفَتَّحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَيَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ: وَعِزَّتِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ» [رواه الترمذي (2526) وصححه الألباني]، وفي رواية: «وَالصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ» [رواه أحمد (8030) وصححه شعيب الأرناؤوط].
فليحذر كل منا من أن يظلم أحدًا وليتحلل منه قبل أن يلجأ إلى الله تعالى بدعوة عليه والعياذ بالله تعالى، ودعوتك بإذن الله تعالى في هذا اليوم يا عبدالله مستجابة طوال صومك يوم عرفة وحتى إفطارك بإذن الله.
ليس هذا فحسب؛ بل إن أفضل الدعاء يكون في يوم عرفة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة». [رواه الترمذي (5/ 572) بسند صحيح].
فهل لديك آمال وحاجات تحب أن يقضيها الله لك؟ وهموم ترجو كشفها؟ ها قد حانت الفرصة يا عبدالله، فلا تفوتها بانشغالك في دنيا فانية.
وإذا كنت تريد عتقًا من النار؟ ها هو الوقت، فعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار، من يوم عرفة» [رواه مسلم (1348)].
ويكتمل جمال وجلال هذا اليوم بأنه يوم الجمعة، وها هو يجتمع مع يوم عرفة، وفيه ساعة الإجابة، من بعد العصر إلى المغرب، فأي فضل وثواب ينتظرنا في هذا اليوم؟!
عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ذَكَرَ يَومَ الجُمُعَةِ، فَقالَ: «فيه سَاعَةٌ، لا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ، وهو قَائِمٌ يُصَلِّي، يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى شيئًا، إلَّا أعْطَاهُ إيَّاهُ وأَشَارَ بيَدِهِ يُقَلِّلُهَا». [رواه البخاري واللفظ له (935) ومسلم (852)].
فما مِن عبْدٍ يُوافقُها، أي: يُصادفُها ويَقصِدُها ويَتحرَّاها بالدُّعاءِ، ويَطلُبُ فيها التَّوبةَ والمغفرةَ، ويَسأَلُ ربَّه سُبحانه مِن نعيمَيِ الدُّنيا والآخِرةِ، وهو علَى حالٍ يَتقرَّبُ فيها مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ بالدُّعاءِ أوِ انتِظارِ الصَّلاةِ؛ فمَنِ انتَظَرَ الصَّلاةَ فهو في صَلاةٍ، وهذا هو المرادُ بالصَّلاةِ في قَولِهِ: «قائِمٌ يُصَلِّي»، … والمرادُ مِن القِيامِ الملازَمةَ والمواظبةَ، لا حَقيقةُ القيامِ.
فمَن فعَلَ ذلك استجابَ له سُبحانَه وتعالَى، وأعطاهُ ما سَألَ، أو خَيرًا منه، أو دفَعَ عنه مِنَ البَلاءِ والسُّوءِ، أو يُؤخِّرُهُ له إلى يَومِ القيامةِ.
وأشارَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بيَدِه الشَّريفةِ يُقلِّلُها؛ أي: يُشيرُ إلى أنَّها وَقتٌ قَليلٌ خَفيفٌ. [شرح موقع درر السنية].
وهذه الساعة هي آخر ساعة من العصر على أرجح الأقوال لقوله صلى الله عليه وسلم: «فَالْتَمِسُوهَا آخِرَ سَاعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ» [رواه أبو داود (1048) وصححه الألباني].
فانظر إلى ما اجتمع في هذا اليوم يا عبدالله، أنت تدع في آخر ساعة من العصر، والحاج واقف في عرفة يدع الله تعالى، فتشتركان في دعائكما لله عز وجل في نفس الوقت! يا له من دين عظيم جمع القلوب والأبدان على توحيد الرحمن والتوجه إليه في كل مكان!
فإذا كمل يوم عرفة وأعتق الله عباده المؤمنين من النار اشترك المسلمون كلهم في العيد عقب ذلك وشرع للجميع التقرب إليه بالنسك وهو إراقة دماء القرابين. [لطائف المعارف ].
من طمع في العتق من النار ومغفرة ذنوبه في يوم عرفة فليحافظ على الأسباب التي يُرجى بها العتق والمغفرة يا عباد الله ومنها: صيام هذا اليوم، ومنها: حفظ جوارحه عن المحرمات في هذا اليوم، ومنها: الإكثار من شهادة التوحيد بإخلاص وصدق فإنها أصل دين الإسلام الذي أكمله الله تعالى في يوم عرفة، قال صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الملْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» [رواه الترمذي وحسنه الألباني].
فتحقيق كلمة التوحيد يوجب عتق الرقاب، وعتق الرقاب يوجب العتق من النار كما ثبت في الصحيح: أن من قالها مائة مرة كان له عَدْلُ عشر رقاب، وثبت أيضا: أن من قالها عشر مرات كان كمن أعتق أربعة من ولد إسماعيل. [لطائف المعارف ص(308)].
اللهم أعتق رقابنا أجمعين من النار يا رب العالمين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه….
الخطبة الثانية:
قال ابن المبارك: جئت إلى سفيان الثوري عشية عرفة وهو جاث على ركبتيه وعيناه تهملان فقلت له: من أسوأ هذا الجمع حالا؟ قال: الذي يظن أن الله لا يغفر لهم. [لطائف المعارف ص (312)].
وإني لأدعو الله أطلب عفــوه *** وأعلم أن الله يعفـــــــــــــــــو ويغفر
لئن أعظم الناس الذنوب فإنهــا *** وإن عظمت في رحمة الله تصغـــر
قال ابن رجب رحمه الله: من فاته في هذا العام القيام بعرفة فليقم لله بحقه الذي عرفه، من عجز عن المبيت بمزدلفة فليبت عزمه على طاعة الله وقد قربه وأزلفه، من لم يمكنه القيام بأرجاء الخيف فليقم لله بحق الرجاء والخوف، من لم يقدر على نحر هديه بمنا فليذبح هواه هنا وقد بلغ المنا، من لم يَصِلْ إلى البيت لأنه منه بعيد فليقصد رب البيت فإنه أقرب إلى من دعاه ورجاه من حبل الوريد. [لطائف المعارف ص (312)].
وأخيرًا أذكر نفسي وإياكم يا عباد الله ببعض سنن وآداب العيد، وهي من هديه صلى الله عليه وسلم، فقد كان صلى الله عليه وسلم يغتسل ويتجمل للعيد ويلبس أجمل ثيابه، وكان يخرج ماشيًا للعيد، وكان يخالف الطريق، وكان يُخرج بناتَه ونساءَه لصلاة العيد، وكان يَنهى عن صيام يوم الفطر ويوم الأضحى وأيام التشريق فكان يقول: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وذكرٍ لله» [رواه مسلم].
و «كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لا يخرج يومَ الفطرِ حتى يطعمَ، ولا يطعمُ يومَ الأضحى، حتى يصلي» [رواه الترمذي (542) وصححه الألباني].
فلا يخرج لصلاة العيد في الفطر حتى يأكل شيئًا، ولايأكل شيئًا يوم الأضحى حتى يصلي ويأكل من أضحيته صلى الله عليه وسلم.