خطبة طوفان الأقصى

     لايخفاكم عباد الله ما يحدث في الأقصى السليب أولى القبلتين وثالث المساجد التي تشد إليها الرحال، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قَالَ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].

     وإِنَّ فِلَسْطِينَ وَمَا حَوْلَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى مِنْ أَرْضٍ مُبَارَكَةٍ: مَكْلُوءَةٌ بِحِمَى الرَّحْمَنِ، وَتَحْرُسُهَا مَلَائِكَةُ الْمَلِكِ الدَّيَّانِ؛ مِنْ حَقِّهَا أَنْ تُفْدَى بِالنَّفْسِ وَالنَّفِيسِ، وَأَنْ يُبْذَلَ لَهَا الْغَالِي وَالرَّخِيصُ؛ لِتُخَلَّصَ مِنْ بَرَاثِنِ الْيَهُودِ الْمُعْتَدِينَ، وَتُطَهَّرَ مِنْ دَنَسِ الصَّهَايِنَةِ الْغَاصِبِينَ، الَّذِينَ مَا بَرِحُوا يُدَنِّسُونَ الْمُقَدَّسَاتِ، وَيَنْتَهِكُونَ الْحُرُمَاتِ.

     قال صلى الله عليه وسلم: «جاهِدوا المُشركينَ بأَموالِكُم وأَنفُسِكُم وأَلسِنَتِكُم» [رواه الحاكم]، فأمرنا بجهادهم بما نستطيع من قول أو فعل، وقال صلى الله عليه وسلم: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا»، قالوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، هذا نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا، فَكيفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قالَ: «تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ». [رواه البخاري].

وقال تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال:72]. ولاميثاق لليهود لأنهم نقضوا كل المواثيق.

     وخذلان المسلم بالقول والفعل حرام يا عباد الله قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمِ، لا يَظْلِمُهُ، ولا يَخْذُلُهُ، ولا يَحْقِرُهُ. التَّقْوَى هاهُنا». ويُشِيرُ إلى صَدْرِهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ. [رواه مسلم]. فالمسْلمُ لا يَظلِمُ المسْلمَ؛ فإنَّ اللهَ سُبحانه حرَّمَ قَليلَ الظُّلمِ وكَثيرَه، وفي الوقتِ نفْسِه «لا يَخذُلُه»، أي: لا يَترُكُه إلى الظُّلمِ، ولا يَتْرُكُ إعانتَه ونَصْرَه.

     وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسْلمه» [متفق عليه]، أي لا يُسلمه إلى عدوه، وحذرنا صلى الله عليه وسلم فقال: «ما من امرئ يخذل امرءًا مسلمًا في موطن يُنتقص فيه من عرضه، ويُنتهك فيه من حرمته، إلا خذله الله تعالى في موطن يُحب فيه نصرته، وما من أحد ينصر مسلمًا في موطن يُنتقص فيه من عرضه، ويُنتهك فيه من حرمته، إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته» [رواه أحمد وأبو داود وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب].

     وحُسن الظن بالمسلمين واجب يا عباد الله، وقد حرم الله عز وجل سوء الظن بالمسلمين فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات:12]، وعنْ أَبي هُرَيرةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فإنَّ الظَّنَّ أكذَبُ الحَدِيثِ» [متفقٌ عَلَيْهِ].

     والتحدث في أعراض المسلمين حرام مع العلم بحدوث ذلك منهم فكيف ونحن لانعلم حقيقة ما فعلوا؟! قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ المُسْلِمِ علَى المُسْلِمِ حَرامٌ؛ دَمُهُ، ومالُهُ، وعِرْضُهُ». [رواه مسلم].

أَقِلّوا عَلَيهِم لا أَبا لِأَبيكُمُ             مِنَ اللَومِ أَو سُدّوا المكانَ الَّذي سَدّوا

     عباد الله إن من نواقض الإسلام التي تُخرج المسلم من دينه، مُظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، فمن كان للكافرين نصيًرا وظهيرًا وعونًا ضد المسلمين، فينضم إليهم، ويذبُّ عنهم بالمال والسنان والبيان، فهذا الفعل كفر يُناقض الإيمان ويخرج المرء من الملة والعياذ بالله تعالى، قال جل وعلا محذرًا من ذلك: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:51].        

أقول قولي هذا…

الخطبة الثانية:

     قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليَبْلغنَّ هذا الأمرُ ما بلغ الليلُ والنهارُ، ولا يترك اللهُ بيت مَدَر ولا وَبَر إلا أدخله الله هذا الدين، بعِزِّ عزيز أو بذُلِّ ذليل، عزا يُعِزُّ الله به الإسلام، وذُلا يُذل الله به الكفر» [رواه أحمد].

     عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ، يَا عَبْدَ اللهِ؛ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي، فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلَّا الْغَرْقَدَ؛ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:214].

   وتذكروا قول الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء:104].

     فقللانا في الجنة وقتلاهم في النار، وأَصْبَحَ لِزَامًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ أَنْ يَنْصُرُوهُمْ؛ وَيُقَدِّمُوا لَهُمْ مَا يَسْتَطِيعُونَ مِنْ دَعْمٍ وَمَدَدٍ، وَمِنَ الْوَاجِب عَلَى الدُّوَلِ وَالشُّعُوب وَالْمُؤَسَّسَاتِ الدُّوَلِيَّةِ: الْمُسَارَعَةُ إِلَى إِنْهَاءِ هَذِهِ الْهَجْمَةِ الْغَاشِمَةِ الظَّالِمَةِ، وَرَدِّ هَذَا الْعُدْوَانِ الْهَمَجِيِّ السَّافِرِ، وَالسَّعْيُ الْحَثِيثُ لِتَحْرِيرِ الْمُقَدَّسَاتِ وَرَدِّ الْحَقِّ السَّلِيب إِلَى أَهْلِهِ، وَتَحْرِيمِ الدِّمَاءِ وَإِدَانَةِ الْمُعْتَدِينَ.

     واشكروا الله تعالى أن وفقكم لنصرة إخوانكم في فلسطين وفي كل مكان، فتلك نعمة منه جل وعلا تحتاج إلى الشكر والحمد.

إذا ما الناس طاولت المعالي          رأيت سنامها عند الكويت

هناك الناس يجمعها عطــــاءُ           وتلمح جُودها في كل بيت

ثباتٌ في المبادئ والعقيـــــدة           كمشكاة بمصبـــــــــــاح وزيت

واعلموا أن: ﴿ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [يوسف:38].

اللهم أدم نعمتك علينا واجعلنا شاكرين لها، ولها حامدين، وانصر إخواننا المسلمين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين…