خطبة خطورة التخبيب

     الحمدُ للهِ الفعَّالِ لما يريدُ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:46]، وأشهدُ أن نبيَنا محمداً عبدُ اللهِ ورسولُه ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ:46]، صلى اللهُ عليهِ وسلَّم تسليمًا إلى يومِ المزيدِ، أما بعدُ فاتقوا الله عباد الله ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:2-3].

     إن من نِعمِ اللهِ الظاهرةِ: إقبالُ الشبابِ على الزواج، بالرغمِ من تعقيدِ الحياةِ وشدةِ الاحتياجاتِ، ولكنَّ بعضَ تلكَ الزيجات لا تلبَثُ أن تنتهيَ بالطلاقِ، الذي من أكبرِ أسبابِهِ ذلك التخبيبُ من أقربِينَ أو أبعدِينَ، فتتطورُ المشاكُل؛ ليكونَ الفِراقُ أسلمَ الحلولِ، والعياذ بالله من ذلك، عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: «من خَبَّبَ زوجة امْرِئٍ أو مَمْلُوكَهُ فليس مِنَّا». [رواه أبوداود وصححه الألباني (5170)].

     إن من سَعى يا عباد الله في إفساد امرأة على زوجها، سواء كان المفسد رجلاً أو امرأة، وذلك بأن يذكر عندها مساوئ زوجها، وسوء أخلاقه، حتى تكره زوجها، وتتمرد عليه، وتسعى إلى التخلص منه بالطلاق أو الخلع، أو أفسد مملوك رجل عليه، وعمل معه أعمالا جعلته يتمرد على سيده ويعامله معاملة سيئة؛ ويُقاس على المملوك في السابق الخادم الأجير في زماننا، بأن يُزيِّن له العمل لديه أو يضاعف له المبلغ الذي يعطيه إياه.

     فإن هذا الفعل حرام قد بين صلى الله عليه وسلم حُرمته، ويُعد من كبائر الذنوب، ومن أسباب إيقَاعِ العَدَاوةِ بين النَّاسِ، وأنَّه من الظُّلْمِ البيِّنِ للغير.

     والإسلامُ دينُ العَدْلِ والرَّحمَةِ، وقد قام على أُسُسٍ مَتِينَةٍ من شأنِها تَقْوِيَةُ الرَّوَابِط والعلاقاتِ بين أفرَادِ المجتمَعِ المسلِمِ؛ بما يُحقِّق التَّآخِي والتَّآلُف، ويَحفظُ المجتمَعَ مِن عوامِلِ التَّفَكُّكِ والانشِقاقِ، وهذا هو شأن المؤمن دائمًا.

     عباد الله هذا الإفسادُ فيروسٌ خبيثٌ يَنْخَرُ بالبيوتِ المطمئنةِ، وقد سماهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالتخبيبِ، فقال: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا» [رواهُ أبو داودَ].

     وهلْ تدري أيُها المسلمُ لماذا تبرَّأَ رسولُنا صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ منَ المخبِّبِ؟ لأنهُ شابَهَ بفعلِهِ إبليسَ، الذي أخبرَ عنه صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بقوله: «إنَّ إبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ علَى الماءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَراياهُ، فأدْناهُمْ منه مَنْزِلَةً أعْظَمُهُمْ فِتْنَةً، يَجِيءُ أحَدُهُمْ فيَقولُ: فَعَلْتُ كَذا وكَذا، فيَقولُ: ما صَنَعْتَ شيئًا، قالَ ثُمَّ يَجِيءُ أحَدُهُمْ فيَقولُ: ما تَرَكْتُهُ حتَّى فَرَّقْتُ بيْنَهُ وبيْنَ امْرَأَتِهِ، قالَ: فيُدْنِيهِ منه ويقولُ: نِعْمَ أنْتَ» [رواه مسلم].

     فإن فاعل هذا الأمر وهو التخبيب ليس على هدي النبي صلى الله عليه وسلم ولا على منهجه، بل ذلك من عمل الشيطان، كما قال عليه الصلاة والسلام: «من خَبَّبَ زوجة امْرِئٍ أو مَمْلُوكَهُ فليس مِنَّا» [رواه أبوداود وصححه الألباني (5170)].

     إبليسَ له جيشٌ من الأبالسةِ والجُنُودِ يُرسِلُهم في نواحي الأرض؛ ليُوسوِسوا للنَّاسِ ويُضلِّوهم عن دينهم وعن الطريق المستقيم، فيكون أَقْربُ الشَّياطين إلى إبليسَ هو أَكْثرُ الشياطين إضلالًا للنَّاس وإبعادًا لهم عَن الحقِّ، فيَجيءُ واحد من الشياطين الَّذين بعثهم إلى نواحي الأرض لفتنة بني آدم ويرجع إليه، فيَذْكُرُ له الشَّيطانُ ما فَعَلَه من أصنافِ الفِتنِ والإضلالِ، فلا يَقْنَعُ بذلك إبليسُ وكأنَّه يَسْتَقِلُّها مِنْه، «ثمَّ يجيءُ» شيطان آخر فيقولُ: «ما ترَكتُه حتَّى فرَّقتُ بيْنَه وبيْنَ امرأتِه»، أيْ: ما تركتُ الزَّوجَ حتَّى جعلته يطلق زوجته أو تطلُبَ الخلعَ منه، وهدَمتُ الأُلْفَةَ والمودَّةَ الَّتي كانت بينهم بإلقاء العداوة والبغضاء بينهما، فيُقرِّبه إبليسُ الكبير منه ويُنزِله مَنْزلةً أعلى من أقرانِه، ويَمْدحُ فِعْلَه في التَّفريقِ بيْن الزَّوجين لإعجابه بصُنعه، وبلوغه الغاية الَّتي أرادها بقوله: «نِعْمَ أنت»، وهذا المدحُ لِما في التَّفريقِ بين الزَّوجينِ مِن مَفاسِدِ انْقِطاعِ النَّسلِ، وانْعِدام تَربيةِ الأطفالِ، وما يُحْتَملُ مِن وقوعِ الزِّنا، الَّذي هو أَفْحشُ الكبائرِ وأَكْثرُها مَعرَّةً وفسادًا، وما في ذلك مِن التَّباغُضِ والتَّشاحُنِ وإثارةِ العَدَواتِ بين النَّاسِ. أقول قولي هذا وأستغفر الله..

الخطبة الثانية:

     عباد الله إنَّ التخبيبَ سِحْرٌ كلاميٌ، يُشابِهُ أفعالَ السحرةِ الذينَ قال ربُنا عنهم: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة:102].

     ومن صورِ التخبيبِ الحديثةِ: تخبيبُ مشاهيرِ التواصلِ الاجتماعِيِ، من خلالِ اليومياتِ، والأكلاتِ والسفراتِ، وارتفاعُ أصواتٍ نشازٍ تطالِبُ المرأةَ بالانفلاتِ عن ولايةِ الرجلِ، وإقناعها بأنها مهضومةُ الحقوقِ مسلوبةُ الحريةِ فيما زعمُوا، وقد كذبوا.

     فليحذر كل منا من هذا الداء ولنُحذِّر منه الناسَ حتى تستقر البيوتُ ويستقر المجتمعُ وتزيدُ الألفة والمحبة بين الناس، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ، حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» [رواه البخاري].

     هذا وصلوا وسلموا رحمكم الله على النبي الكريم إذ أمركم ربكم بذلك فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:56].