خطبة تداعى عليكم الأمم

      قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يُوشِكُ الأممُ أن تداعَى عليكم كما تداعَى الأكَلةُ إلى قصعتِها». فقال قائلٌ: ومن قلَّةٍ نحن يومئذٍ؟ قال: «بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ، ولكنَّكم غُثاءٌ كغُثاءِ السَّيلِ، ولينزِعنَّ اللهُ من صدورِ عدوِّكم المهابةَ منكم، وليقذِفَنَّ اللهُ في قلوبِكم الوهْنَ». فقال قائلٌ: يا رسولَ اللهِ! وما الوهْنُ؟ قال: «حُبُّ الدُّنيا وكراهيةُ الموتِ» [رواه أبوداود].

     إذا ترَكَ المسلِمونَ الجِهادَ وحرَصوا على الدُّنيا وأحبُّوها وكرِهوا الموتَ، طَمِعَ فيهِم أعداءُ اللهِ مِن الكفَّارِ، وهذا ما بينه لنا النبيُّ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّم، فالأممُ الكافرةُ تَجتمِعَ وتتحدُ على المسلمينَ كما يَجتمِعُ الجماعةُ من الناسِ على الطَّعامِ، وهذا إشارةٌ إلى السُّهولةِ التي يَلقاها العدوُّ في المسلمينَ.

     وطَمعُهم واجتماعُهم على المسلمينَ ليس لِقلَّةِ عدَد المسلمين، بل هم كثير ولكنهم كما قال صلى الله عليه وسلم: «غُثاءٌ كغُثاءِ السَّيلِ» أي: هذه الكثرة لا نفعَ فيها ولا فائدةَ لقِلَّةِ شَجاعتِهم وشدَّةِ تفرُّقِهم.

     واللهُ عز وجل سينزع مِن صُدورِ عدُوّنا المهابةَ مِنا فلا يخافنا العدو، وسيقْذِفُ اللهُ في قلوبِنا الوَهَنَ، وهو «حبُّ الدُّنيا وكراهيةُ الموتِ»، فحِرْصُنا على الدنيا والتطلُّع فيها وتركِ العَملِ للآخرةِ، هذا يَجعَلُنا نخافُ الموتَ ونحِبُّ الحياةَ ومُتعَ الدُّنيا، ونتركُ الجهادَ في سَبيلِ اللهِ عز وجل.

     وقد وقع هذا عبر التاريخ أكثر من مرة، عندما تداعت الأمم الصليبية إلى غزوة هذه الأمة، ومرة أخرى عند اجتياح التتار العالم الإسلامي، ولكن هذه النبوءة تحققت في القرن الأخير بصورة أوضح؛ فقد اتفق الصليبيون واليهود والملاحدة على هدم الخلافة الإسلامية، ثم جزؤوا الديار التي كانت تحكمها، وتقاسموا ديار المسلمين فيما بينهم، وأعطوا فلسطين لليهود، – ومايحصل من تجمع اليهود والنصارى على المسلمين في غزة وفلسطين هذه الأيام شاهد حي على صدق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن لكلامه صلى الله عليه وسلم صفة العصمة من الخطأ؛ لأنه كما وصفه ربه عز وجل: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ [النجم:3-4]، – وأصبح المسلمون أضيعُ من الأيتام على مأدُبة اللئام، ولا تزال قُوى الشرّ إلى اليوم متداعيةً لتدمير هذه الأمة، وامتصاص خيراتها، ونهب ثرواتها، وإذلال رجالها، والأمة الإسلامية خانعة ذليلة، لم تُغن عنها كثرتها، غُثاء كغثاء السيل، وعلتها كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم: الوَهْن: حب الدنيا، وكراهية الموت. [الأشقر، القيامة الصغرى].

     إن دواء الذنوب يا عباد الله الجهاد، قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: ومن كان كثير الذنوب فأعظم دوائه الجهاد؛ فإن الله عز وجل يغفر ذنوبه كما أخبر الله في كتابه بقوله سبحانه وتعالى: ﴿يغفر لكم ذنوبكم﴾. [مجموع الفتاوى:28/ 422]، كما قال تعالى: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصف:11-12].

     الجهاد يا عباد الله لاينحصر فقط في جهاد النفس، بل هناك جهاد المال، وجهاد الكلمة، قال الشيخ ابن باز رحمه الله: فجهاد الكفار مع المسلمين، والتعاون مع المسلمين – ولو كانت عنده معصية – أوجب، فليس من شرط المجاهد أن يكون تقيًّا نقيًّا.. يُجاهد ولو كانت عنده معاصٍ، يُجاهد مع إخوانه بنفسه وماله، لكن إذا رزقه الله الجهادَ لنفسه في ترك المعاصي مع جهاد الكفار؛ كان هذا أكمل، وهو واجبٌ عليه، وفرضٌ عليه.

     فعليه أن يُجاهد هذا وهذا: أن يُجاهد النفس في ترك المعاصي، ويُجاهد أعداء الله بنفسه وماله وقلمه، فالجهاد بالقلم جهادٌ عظيمٌ، يقول النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «جاهدوا المشركين بأموالكم، وأنفسكم، وألسنتكم» [رواه النسائي وأحمد بإسنادٍ صحيحٍ].

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه…

الخطبة الثانية:

     اعلموا عباد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ثبت عنه قوله: «لا تَزالُ طائِفَةٌ مِن أُمَّتي ظاهِرِينَ علَى الحَقِّ، لا يَضُرُّهُمْ مَن خَذَلَهُمْ، حتَّى يَأْتِيَ أمْرُ اللهِ» وفي رواية: «وهُمْ كَذلكَ» [رواه مسلم]، وثبت أنهم بالشام.

     فهذه الفتنة قد تفرق الناس فيها ثلاثُ فرق: الطائفة المنصورة وهم المجاهدون لهؤلاء القوم المفسدين الكافرين. والطائفة المخالفة وهم هؤلاء الكفار ومن تحيز إليهم من المنتسبين إلى الإسلام. والطائفة المخذلة وهم القاعدون عن جهادهم؛ وإن كانوا مسلمين.

فلينظر كل منا مع من يكون؟! [مجموع الفتاوى:28/ 422بتصرف].