خطبة الموت حق!

     إن الموت حق على كل نفس فقد قال جل وعلا: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:185]، فكل نفس ستموت ولايبقى إلا الحي الذي لايموت، الإنس والجن والملائكة والدواب وكل نفس تموت، ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:26-27]،والموت يا عباد الله لايعرف عُمرًا فقد مات الصغير والكبير، ولايعرف جنسًا فقد مات الذكر والأنثى، ولايعرف قدرًا فقد مات الحاكم والمحكوم، وَهَا قَدْ غَيَّبَ الْمَوْتُ بِأَمْرٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَبِتَقْدِيرِهِ وَقَضَائِهِ صَاحِبَ السُّمُوِّ الْأَمِيرَ الشَّيْخَ/ نَوَّافَ الْأَحْمَدِ الصُّبَاحِ، طَيَّبَ اللَّهُ ثَرَاهُ، وَجَعَلَ الْجَنَّةَ مَسْكَنَهُ وَمَأْوَاهُ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ» [رواه مُسْلِمٌ]. فَحَقُّهُ عَلَيْنَا: الدُّعَاءُ لَهُ بِالْغُفْرَانِ وَالْعَفْوِ مِنَ الرَّحِيمِ الرَّحْمَنِ، وَأَنْ يُبْدِلَهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَأَنْ يُجَازِيَهُ بِالْإِحْسَانِ إِحْسَانًا، وَبِالتَّقْصِيرِ عَفْوًا وَصَفْحًا وَغُفْرَانًا.

     وَمِنْ كِرِيمِ عَطَاءِ اللَّهِ لِلْأَمِيرِ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَنَّ النَّاسَ مُتَّفِقُونَ عَلَى مَحَبَّتِهِ، وَالشَّهَادَةِ لَهُ بِالْخَيْرِ مِنْ رَعِيَّتِهِ، وَهَذَا مِنْ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ، وَعَلَامَةِ خَيْرِيَّتِهِ، نَحْسَبُهُ كَذَلِكَ، وَلَا نُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا؛ فَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُوشِكُ أَنْ تَعْرِفُوا أَهْلَ الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ». قَالُوا: بِمَ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «بِالثَّنَاءِ الْحَسَنِ وَالثَّنَاءِ السَّيِّءِ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ» [رواه ابْنُ مَاجَهْ وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ].

    عباد الله كل أحد صائر إلى الموت لا محالة، ولا يُنجيه من ذلك شيء … فإن له أجلا محتومًا، وأمدًا مقسومًا، كما قال خالد بن الوليد – رضي الله عنه – حين جاءه الموت على فراشه: لقد شهدت كذا وكذا موقفًا، وما من عضو من أعضائي إلا وفيه جُرح من طعنة أو رمية، وها أنا أموت على فراشي، فلا نامت أعين الجبناء. [تفسير القرآن العظيم (النساء:78)]. والموت لايعرف حاجزًا يا عباد الله ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:78].

أرى الموت لا يُبقي عزيزًا ولم يدع              لعاد ملاذًا في البلاد ومربعا

يُبيّتُ أهل الحصن والحصنُ مغلقٌ              ويأتي الجبال في شماريخها معا

     هذه الدنيا يا عباد الله دارُ ممر والآخرة دارُ مقر، فإيانا والركونَ إلى الدنيا ونسيانَ الآخرة فنقع في قول الله تعالى: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا﴾ [السجدة:14].

     وليس للموت مراحل يمر بها، بل متى انقضى الأجل مات الشخص، كما قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [لأعراف:34].

فاللهم ارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم

الخطبة الثانية:

     ليس المطلوب من المؤمن أن يقف عند الموت فقط بل الأهم أن يعمل لما بعد الموت، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:185].

     وقد قال صلى الله عليه وسلم: «الكَيِّسُ مَن دان نفسَه وعمِل لما بعدَ الموتِ والعاجِزُ مَن أتبَع نفسَه هَواها وتمنَّى على اللهِ الأمانِيَّ» [رواه الترمذي].

     فالفطن هو الذي يحاسب نفسه في هذه الدنيا على أقواله وأعماله قبل أن يحاسبه الله عز وجل عليها والعاجز هو الذي تبع نفسه وهواها وأكثر من الأمنيات حتى وقع في المحرمات والمخزيات عافانا الله وإياكم.

     قال عمرُ بن الخطَّابِ رضِي اللهُ عنه: حاسِبوا أنفسَكم قبل أن تُحاسَبوا، وزِنوا أنفسَكم قبل أن تُوزنوا، فإنَّه أخفُّ عليكم في الحسابِ غدًا أن تُحاسِبوا أنفسَكم اليومَ وتزيَّنوا للعَرضِ الأكبرِ، كذا الأكبرِ ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾.

     وإن حسن الخاتمة يا عباد الله هو أن يُوفق العبد قبل موته للابتعاد عما يغضب الرب سبحانه، والتوبة من الذنوب والمعاصي، والإقبال على الطاعات وأعمال الخير، ثم يكون موته بعد ذلك على هذه الحال الحسنة.

     قال صلى الله عليه وسلم: «إذا أرادَ اللَّهُ بعبدٍ خيرًا استعملَهُ» فقيلَ: كيفَ يستعملُهُ يا رسولَ اللَّهِ؟ قالَ: «يوفِّقُهُ لعملٍ صالحٍ قبلَ الموتِ» [رواه الترمذي وقال: حسن صحيح].

     اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ أَنْ تَتَغَمَّدَ أَمِيرَنَا الرَّاحِلَ بِوَاسِعِ رَحْمَتِكَ اللَّهُمَّ أَكْرِمْ نُزُلَهُ وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ وَبَاعِدْهُ عَنِ النَّارِ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ، عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْنَا مِنْهُ وَمَا لَمْ نَعْلَمْ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ، عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْنَا مِنْهُ وَمَا لَمْ نَعْلَمْ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ، وَادْفَعْ عَنَّا الْفِتَنَ وَالشُّرُورَ، اللَّهُمَّ وَفِّقْ أَمِيرَ الْبِلَادِ صَاحِبَ السُّمُوِّ الشَّيْخَ/ مِشْعَلَ الْأَحْمَدِ الْجَابِرِ الصُّبَاحِ، لِهُدَاكَ، وَاجْعَلْ أَعْمَالَهُ فِي رِضَاكَ وَكُنْ لَهُ مُعِينًا وَظَهِيرًا، وَهَيِّئْ لَهُ الْبِطَانَةَ الصَّالِحَةَ الناصحة الَّتِي تحثه عَلَى الْخَيْرِ، وَاجْعَلِ اللَّهُمَّ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً مُطْمَئِنّاً سَخَاءً رَخَاءً وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ.