خطبة (المدبر)

   عباد الله: إن الله هو المدبر، والمدبر يعني أن الله عز وجل هو الفاعل الحقيقي في هذا الكون، وأن ما نظنه هو الفاعل من البشر أو غيرهم ما هو إلا سبب، فلو لم يُرد الله أمرًا لن يحدث أبدًا، والمدبر يعني أيضًا أن الله سبحانه وتعالى يُدبر شؤون عباده المؤمنين، بما هو أصلح لدينهم ودنياهم.

﴿إِنَّ رَبَّكُم اللهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَواتِ وَالأرْضَ فِى سِتَّةِ أيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ﴾ [يونس:3]، قال ابن عباس رضي الله عنهما: لا يُشركه في تدبير خلقه، وقال مجاهد: يقضيه ويقدره وحده. [الجامع لأحكام القرآن للقرطبي].

     فاذا أردت الفلاح في الدنيا والآخرة ادعو الله أن يُدبر لك؛ فأنت ليس بيدك شيء، إلا السعيَ دائمًا بالأسباب، والله ولي التدبير لك وللمخلوقات جميعًا.

وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِن دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ[ [العنكبوت:60].

     الباري تبارك وتعالى، قد تكفل بأرزاق الخلائق كلهم، قويهم وعاجزهم، فكم (مِن دَابَّةٍ) في الأرض، ضعيفة القوى، ضعيفة العقل. (لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا) ولا تدخره، بل لم تزل، لا شيء معها من الرزق، ولا يزال اللّه يُسخر لها الرزق، في كل وقت بوقته. (اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ) فكلكم – فقراء للّه-، القائم برزقكم، كما قام بخلقكم وتدبيركم، (وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) فلا يخفى عليه خافية، ولا تهلك دابة من عدم الرزق بسبب أنها خافية عليه.

كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ[ [هود:6] [تيسير الكريم الرحمن للسعدي بتصرف بسيط].

    يظن كثير من الناس يا عباد الله أن التفكر في ما خلق الله من سموات وأرض وبحار وأنهار وإنس وجن للاعتبار فقط، وينسون ويغفلون عن التفكر في تدبير الله تعالى لهذا الخلق، كيف يُدبر شأنهم؟! وكيف يرزقهم؟! وكيف يهديهم؟! وكيف يُضلهم؟! وكيف ييسر أمورهم؟! وغير ذلك من التساؤلات؛ إنه المدبر لكل هذه التساؤلات.

    عباد الله: إن تدبير الله خير من تدبيرك لنفسك، إن الإنسان قد يدعو الله فيما يُحب، فإذا وقع ما يكره فعليه الرضا والتسليم فيما قدر الله؛ فإن اختيار الله لك أفضل وأكمل.

     ولننظر كيف دبر الله عز وجل رسله؟! فهذا إبراهيم عليه السلام كيف دبر الله أمره وأنجاه من قومه فقال: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ[ [الأنبياء:69]، فما وقع فيها إلى وهي برد وسلام عليه، عليه السلام، نار محرقة شديدة أزال سبحانه صفة الإحراق منها وجعلها بردًا وسلامًا لئلا يؤذيه بردها، فأي تدبير هذا؟! وأي نصر لم يخطر على بال أحد؟! إنه تدبير الله المدبر، وموسى عليه السلام أوصى الله إلى أمه أن ضعيه في الصندوق وألقيه في البحر، ثم وصل الصندوق إلى فرعون، فلماذا لم يقتله وهو طفل صغير وستكون نهايته على يد موسى عليه السلام؟! لكنه تدبير الله عز وجل جعله يربيه في قصره، حتى أصبح شابًا كبيرًا، ثم دعاه للإسلام بعد أن أصبح نبيًا؛ فرفض دعوة موسى عليه السلام والإيمان بالله، وانتهى به الأمر أن أغرقه الله وأنجى موسى ومن معه.

     وهذا يوسف عليه السلام يتشاورون في قتله فلم يقتلوه؛ إنه تدبير الله، ثم يرميه إخوته في البئر، فلم يهلك، بل حفظه الله حتى جعله الله عز وجل وزيرًا في مصر؛ إنه تدبير الله، ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ [يوسف:56].

    وهذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يريد المشركون أن يقتلوه، يتآمروا عليه ويجتمعوا حول بيته في مكة، لكن الله عز وجل أعمى أبصارهم، وخرج من بين أيديهم بعد أن جعل عليًا في فراشه؛ إنه تدبير الله عز وجل، ويُطارده الكفار في كل مكان، حتى في المكان الذي يختبئ فيه بجبل ثور مع صاحبه أبي بكر رضي الله عنه، حتى قال أبا بكر: يا رسول الله! لو نظر أحدهم إلى قدميه لرآنا. لكن الله أعمى أبصارهم وبصائرهم؛ فيرد الرسول عليه الصلاة والسلام على أبي بكر ويقول: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما»؛ إنه تدبير الله عز وجل.

     وهذا كله يذكرنا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه: «احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَألْتَ فَاسأَلِ الله، وإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ باللهِ، وَاعْلَمْ أنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيءٍ؛ لَمْ يَنْفَعُوكَ إلاَّ بِشَيءٍ قَدْ كَتَبهُ اللهُ لَكَ، وَإِن اجتَمَعُوا عَلَى أنْ يَضُرُّوكَ بِشَيءٍ؛ لَمْ يَضُرُّوكَ إلاَّ بِشَيءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلاَمُ وَجَفَّتِ الصُّحفُ» [رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح].

     فعلينا أن نثق في تدبير الله لنا، وندعو الله عز وجل أن يُدبر أمورنا.

نسأل الله أن يدبر أمورنا إلى خيري الدنيا والآخرة؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.

أقول ما سمعتم واستغفر الله لي ولكم؛ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

     عباد الله: يقول تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:12]؛ فقوله سبحانه: (يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ) هذا من التدبير، يجب أن نعلم أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يسوق كل شيء لكل شيء؛ فهو الذي يسوق لك السبب ليحصل لك ما تريد، فيدبر لك الدكتور الذي يكون سببًا في شفائك، ويُدبر لك من يُوظفك في وظيفة ما، ويمنعك من وظيفة ما قد تريدها؛ لحكمة يعلمها، ويدبر لك راتبك الشهري، ويدبرك في المرتبة أو الرتبة المناسبة، ويدبرك في أولادك، ويدبرك في المشاكل التي تعترضك، فعليك أن تثق في تدبير الله لك، وتسأل الله الخيرة الطيبة؛ فهو الذي يختار لك الأفضل.

     اللهّم إنا وكلناك أمرنا فأنت لنا خير وكيل، ودبر لنا أمورنا فإنا لا نحسن التدبير، واحفظنا وإخواننا المسلمين والمسلمات في كل مكان من بين أيدينا ومن خلفنا وعن أيماننا وعن شمائلنا ومن فوقنا ونعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا يا لطيف يا خبير.

وأرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه؛ يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم عليك باليهود والنصارى ومن شايعهم…

اللهم انصر إخواننا في فلسطين وغزة وفي كل مكان يا قوي يا عزيز.