خطبة الغش دمار للمجتمع

   لقد تبرأ النبي صلى الله عليه وسلم من مرتكب جريمة الغش فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ على صَبُرةِ طعام، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللًا. فقال: «ما هذا يا صاحب الطَّعام؟» قال: أصابته السَّماء يا رسول الله. قال: «أفلا جعلته فوق الطَّعام كي يراه النَّاس؟ من غشَّ فليس منِّي» [رواه مسلم]. 

     أي: ليس على سيرتنا ومذهبنا. [معالم السنن للخطابي (3/118)].

     والحديث دليلٌ على تحريم الغشِّ، وهو مُجمَع عليه. [عون المعبود (9/231)].

يا بائعًا بالغشِّ أنت مُعَرَّضٌ          لدعوةِ مظلومٍ إلى سامعِ الشكوَى

فكُلْ مِن حلالٍ وارتدعْ عن محرَّمٍ     فلستَ على نارِ الجحيمِ غدًا تقوَى

     إن الغاش يا عباد الله مرتكب لكبيرة من الكبائر المحرمة، وهو بعيد عن الله وعن الناس، والغاش متهاون بنظر الله إليه، فهو قد غفل عن نظره جل وعلا لغشه، والغاش ممحوق البركة، لأن البركة إنما تأتي للعبد بطاعة ربه سبحانه وتعالى، والغش خيانة للأمانة التي كُلّف الإنسان بحملها، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:58]، ومن الأمانة: أمانة العبد مع والديه وأهله وذريته ومجتمعه، وأعظم الأمانات أمانة الدين.

     كيف يكون المجتمع صالحًا إذا كان أغلب من فيه غشاشون؟!، الولد يغش والديه، والرجل يغش زوجته وأولاده، والمواطن يغش وطنه، والنائب يغض مجلسه وبلده، والأستاذ يغش تلاميذه، والوزير يغش وزارته، والمدير يغش إدارته؟! وهكذا غش في غش في غش!

     الغش يا عباد الله دليل على ضعف الإيمان عند العبد، وهو سبب من أسباب الفرقة بين المسلمين، قال جل وعلا: ﴿وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر:10]، قال الإمام البغوي رحمه الله: أي: غشًّا وحسدًا وبغضًا. [معالم التنزيل]. وقال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ﴾ [الأعراف:43]، أي: من غشِّ وعداوةٍ كانت بينهم في الدنيا. [معالم التنزيل للبغوي]، فإذا حدث الغش بين الناس تفرقت قلوبهم وأبدانهم.

     والغش طريق موصل للنار، لأن فيه أكل أموال الناس بالباطل، بل إن مَنْ بَنى مُستقبله على الغش كان كل ما يأتيه من منصب أو مال فهو حرام وسحت والعياذ بالله، والعجيب أن البعض يقول أنني أدع ولا يستجاب لي! ألم يعلم هذا بأن الغش من أسباب عدم إجابة الدعاء، لأن صاحبه يأكل المال الحرام، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «أَيُّها النَّاسُ، إنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلَّا طَيِّبًا، وإنَّ اللَّهَ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بما أمَرَ به المُرْسَلِينَ، فقالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون:51]، وقالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:172]، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أشْعَثَ أغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السَّماءِ، يا رَبِّ، يا رَبِّ، ومَطْعَمُهُ حَرامٌ، ومَشْرَبُهُ حَرامٌ، ومَلْبَسُهُ حَرامٌ، وغُذِيَ بالحَرامِ، فأنَّى يُسْتَجابُ لذلكَ؟!» [رواه مسلم].

     إن الغاش يا عباد الله مصيره أنه قليل التحصيل من العلم، دنيء الهمة، والغش يخرّج أجيالًا فاشلةً غَيْرَ قادرةٍ على تحمل المسئولية، ويُولّد ضَعْفَ الثقة بين أفراد المجتمع، تخيل معي إذا انتشر الغش بين أفراد المجتمع، كيف سيثق أحدهم بالآخر؟!

     قال جل وعلا وهو يقص علينا قصة شعيب عليه السلام مع قومه الذي تخلقوا بخلق الغش والخداع وأكل أموال الناس بالباطل قال لهم وهو ينصحهم ويذكرهم: ﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [هود:85]، فما كان منهم إلا أن عصوه بل قالوا له: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ [هود:91]، أي ولولا معزة قومك علينا لرجمناك، فعظموا قومه ولم يعظموا أمر الله عز وجل ونبيه المرسلَ إليهم فكان جزاؤهم ما ذكره الله لنا إذ قال: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [هود:94]، أخذتهم صيحة ورجفة وعذاب يوم الظلة اجتمع عليهم كل هذه النقم والعياذ بالله لتكذيبهم وعدم انصياعهم لأمر الله عز وجل. [مختصر من تفسير القرآن العظيم لابن كثير].

     قال أبو الدرداء رضي الله عنه: البِرُّ لا يَبْلَى، والإثْمُ لا يُنسَى، والدَّيَّانُ لا يَنام، فكُنْ كَما شِئْت، كَما تَدينُ تُدان» [رواه أحمد بن حنبل في «الزهد» برقم (773) وإسناده صحيح].

مخلَّفون، ويقضي الناسُ أمرَهمُ                 غشُّ الأمانةِ صنبورٌ لصنبورِ

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه…

الخطبة الثانية:

     إن أخطر غش يحدث هو غش الراع لرعيته قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «ما من عبدٍ يستَرعِيه الله رعيَّة، يموت يوم يموت وهو غاشٌّ لرعيَّته؛ إلا حرَّم الله عليه الجنة» [رواه مسلم]، قال العلماء: معناه: بَيِّن في التحذير من غشِّ المسلِمين لِمَن قلَّده الله تعالى شيئًا من أمرهم، واسترعاه عليهم، ونصبه لمصلحتهم في دينهم أو دنياهم، فإذا خانَ فيما اؤتُمِن عليه فلم ينصح فيما قلَّده، إمَّا بتضييعه تعريفَهم ما يلزمهم من دينهم، وأخذهم به، وإمَّا بالقِيام بما يتعيَّن عليه، من حفظ شرائعهم، والذبِّ عنها… وقد نبَّه النبي صلَّى الله عليه وسلَّم على أنَّ ذلك من الكبائر الموبقة المبعدة من الجنَّة. [شرح النووي على مسلم (2/166)].

     ويدخل في هذا الحاكم مع شعبه، والنائب في مجلسه، والوزير في وزارته، والوالدان مع أولادهما، وكل مسؤول ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾ [الصافات:24].

اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين يا رب العالمين.

اللهم وفقنا وأهلينا وأولادنا وجميع المسلمين للعمل بطاعتك والبعد عن معصيتك.

اللهم ولّ علينا خيارنا ولا تول علينا شرارنا يا رب العالمين.

اللهم أبرم لهذه الأمة أمرًا رشدًا، تُعز فيه وليّك وتُذل فيه عدوك، ويُعمل فيه بطاعتك، ويُنهى فيه عن معصيتك يا رب العالمين.