خطبة العنصرية في الميزان

     عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الأَرْضِ، فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الأَرْضِ، فَجَاءَ مِنْهُمُ الأَحْمَرُ وَالأَبْيَضُ وَالأَسْوَدُ وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَالسَّهْلُ وَالحَزْنُ وَالخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ» [رواه أبو داود والترمذي].

     لقد قضت حكمة الله تعالى يا عباد الله أن جعل الاختلاف قديم قدم الخلق، وهو سنة كونية أبدية، وطبيعة بشرية، فمن المستحيلات الثابتة جمعُ الناس على كلمة واحدة، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِين* إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود:١١٨-١١٩]، أي: ولا يزال الخُلف بين الناس في أديانهم واعتقادات مللهم ونحلهم ومذاهبهم وآرائهم… إلا المرحومين من أتباع الرسل، الذين تمسكوا بما أمروا به من الدين. [تفسير القرآن العظيم لابن كثير].

      وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:13].

تَعارَفَ أرواحُ الرجــالِ إذ التقوا *** فمنهم عدو يُتَّقى وخليـلُ

كذاك أمورُ الناس والناسُ منهم *** خفيفٌ إذا صاحبته وثقيلُ

   وقال عليه الصلاة والسلام: «يا أيُّها الناسُ إنَّ ربَّكمْ واحِدٌ ألا لا فضلَ لِعربِيٍّ على عجَمِيٍّ ولا لِعجَمِيٍّ على عربيٍّ ولا لأحمرَ على أسْودَ ولا لأسودَ على أحمرَ إلَّا بالتَّقوَى إنَّ أكرَمكمْ عند اللهِ أتْقاكُمْ» [رواه أبو نعيم في الحلية (3/100)، والبيهقي في الشعب (5137)].

     فديننا يا عباد الله يحارب العنصرية فلا عنصرية لبلد ولا عنصرية لقبيلة ولا عنصرية لحزب ولا للون ولا لجنسية ولا لغيرها، وبث العنصرية والكره بين الناس حرام في شرعنا، قال صلى الله عليه وسلم: «لينتهيَنَّ أقوامٌ يفتخرونَ بِآبائِهِمُ الذينَ ماتُوا إِنَّما هُمْ فَحْمُ جهنمَ أوْ ليكونُنَّ أَهْوَنَ على اللهِ مِنَ الجُعَلِ الذي يُدَهْدِهُ الخِرَاءَ بِأنْفِهِ إِنَّ اللهَ قد أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الجاهليةِ وفَخْرَها بِالآباءِ (أي: أزالَ ورفَع ما كان مِنها مِن كِبْرٍ) إِنَّما هو مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ أوْ فَاجِرٌ شَقِيٌّ الناسُ كلُّهُمْ بَنُو آدمَ وآدَمُ خُلِقَ من تُرَابٍ» [رواه الترمذي وقال: حسن غريب].

     والتكبر على الناس أو تعميم الحكم عليهم كلهم حرام في شرعنا: فكلمة كلهم هكذا كلمة باطلة آثمة، فإياك أن تجعل كلهم على صنف واحد، فليس كل الناس تُقاة، كما أنه ليس كل الناس عُصاة، وقد بين لنا ذلك صلى الله عليه وسلم فقال: «إذا قالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ فَهو أهْلَكُهُمْ» [رواه مسلم]، ومعنى قول الرجل: هَلَكَ النَّاسُ أيِ: استَوجَبوا عِقابَ اللهِ عليهم، وإنَّما قال ذلك إعجابًا بنَفسِه وتَصاغرًا للنَّاسِ، «فهوَ أَهلَكُهم»: فهو أسبَقُهم لهذا العِقابِ وأحقُّهم به؛ لِما وَقَع فيه مِن الغُرورِ والإعجابِ بصَلاحِه، لذا نَهى الإسلامُ وحذَّرَ مِنِ احتقارِ النَّاسِ وتَنقيصِهم، أو تَقنيطِهم مِن رَحمةِ اللهِ وغُفرانِه، أو التَّرفُّعِ عليهم بالأعمالِ الصَّالحةِ؛ لأنَّ اللهَ سُبحانَه وتَعالَى بيَدِه مَقاليدُ الأمورِ، والقلوبُ بيْن يَدَيه يُقلِّبُها كيْف يَشاءُ، ويَحكُمُ في خَلقِه بما شاء سبحانه وتعالى.

     عباد الله في كل بلد هناك الطيب والخبيث، ولايوجد بلد كله طيب، كذلك لايوجد بلد كله خبيث، ولكن المطلوب منك يا عبدالله أن تعلم بأنه ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:34]، تعامل مع المواقف السيئة بالحسنى لا بالسوء لتتغلب عليها، فإنك إذا تعاملت مع السيء بسوء زدت الطين بلّة ولم تُصلح الأمر، جبذ أعرابي رداء النبي صلى الله عليه وسلم جبذة شديدة أثرت على عاتقه صلى الله عليه وسلم وقال: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك. فما زاد صلى الله عليه وسلم على أن ضحك في وجهه وأمر له بعطاء. [متفق عليه].

﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:21].

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم …

الخطبة الثانية:

     إن إقرار الاختلاف في الطبع البشري لايعني أبدًا الاستسلام لدواعي الاختلاف، وإنما هي من القدر الذي يُقاوم بالقدر، ونسعى أن نخفف من الاختلاف وأن نحد من آثاراه، وأن نحرص على أن نلتزم بآدابه؛ بالتزام الانصاف والعدل، والسعي للتأليف وجمع الكلمة، ووضع الخلافات في إطارها الشرعي، دون غلو ولاتمييع ولاتساهل، فنشتد حيثُ يقتضي الموقف الشدة وإن خالف هوانا، ونلين حيث ينبغي اللين وإن لم يَرِقْ لنا، قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: هذا مع أن الله أمر بالجماعة والائتلاف، ونهى عن البدعة والاختلاف، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام:159]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «عليكم بالجماعة، فإن يد الله على الجماعة» [الفتاوى (3/285) وشطر الحديث الأول عند الترمذي والشطر الثاني عند النسائي].

     اللهم ألف على الخير قلوبنا وأصلح ذات بيننا واجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولامضلين يارب العالمين.