الحمد لله القريب من عباده، القائل: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:16]، المجيب لمن دعاه القائل: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل:62]، والصلاة والسلام على رسول الله القائل: «الدعاء هو العبادة» [رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيح]. خير الخلق وأفضل من دعا ربه جل وعلا، وعلى آله وصحبه ومن والاهم وبعد، فاتقوا الله عباد الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:102].
عباد الله في ظل الظروف التي تمر بها الأمة الإسلامية من ضعف وهوان، وذل وانكسار، وتحزب للكافرين على الأمة الإسلامية، وطغي وبغيان من أعداء الله عز وجل عليهم، وخاصة في فلسطين وغزة هذه الأيام، وفي ظل عدم تكافؤ القوة بين الطرفين، بل وفي ظل انكشاف أن كل ما حولنا إنما هو صناعة أهل الكفر ودعمهم لليهود!
لا يسعنا إلا أن نستخدم سلاحًا فتاكًا ألا وهو سلاح الدعاء، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: 107]، قالت أمُّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (سَلُوا اللَّهَ كُلَّ شَيءٍ حَتَّى الشِّسعَ (أي سير النعل أجلكم الله)، فَإِنَّ اللَّهَ إِن لَمْ يُيَسِّرهُ لَمْ يَتَيَسَّرْ) [رواه أبو يعلى والبيهقي في شعب الإيمان وقال في مجمع الزوائد: رجاله رجال الصحيح].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلم: «مَنْ سرَّهُ أن يستجيب اللهُ له عند الشدائد والكُرَبِ، فَلْيُكْثِرِ الدعاء في الرخاء» [رواه الترمذي].
قال جل وعلا: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:186].
وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:155- 157]، وقال عز وجل عن يونس عليه السلام: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:87].
وعن سعد بن أبي وقَّاصٍ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «دعوةُ ذي النُّون إذ دعاه وهو في بطن الحُوت، لم يدْعُ بها رجلٌ مُسلمٌ في شيءٍ قطُّ إلا استجابَ الله له» [رواه أحمد والترمذي والحاكم، وقال: صحيحُ الإسناد].
فالدعاء من أقوى الأسباب للخروج من الشرِّ الذي وقع العبد فيه، والمكروه الذي حلَّ به، قال الله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:83، 84]، وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل:62]؛ أي: لا أحدَ يفعلُ ذلك إلا الله تعالى.
فالفرج والنصر والتأييد والقوة وتحقيق المطلوب إنما يكون بعد دعاء العبد ربه ولجوئه إليه، وليُحسن العبد الظن بربه جل وعلا قال صلى الله عليه وسلم: «يقولُ اللَّهُ تَعالَى: أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بي» [رواه البخاري]، جاءَ إِبْرَاهِيمُ عليه السلام بِزوجته وَابنِه إِسْمَاعِيلَ وَهِي تُرْضِعُهُ ووَضَعَهَما عِنْدَ الْبَيْتِ الحرام وَلَيْسَ فيها يَؤْمئذٍ أَحَدٌ وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ، وَوضَع عِنْدَهُمَا تَمرٌ ومَاءٌ. ثُمَّ قَفى انطلق فتَبِعتْهُ زوجته فَقَالَتْ: يَا إِبْراهِيمُ أَيْنَ تَذْهَبُ وتَتْرُكُنَا بهَذا الْوادِي الَّذِي ليْسَ فِيهِ أَنيسٌ ولاَ شَيءٌ؟ وَجَعَلَ لاَ يلْتَفِتُ إِلَيْهَا، قَالَتْ لَه: آللَّهُ أَمركَ بِهذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَت: إِذًا لاَ يُضَيِّعُنا، ثُمَّ رجعتْ. [رواه البخاري بتصرف].
فينبغي للمرء أن يجتهد في القيام بما عليه موقنًا بأن الله يقبله ويغفر له؛ لأنه وعد بذلك وهو لا يخلف الميعاد، فإن ظن أن الله لا يقبله، أو أن التوبة لا تنفعه، فهذا هو اليأس من رحمة الله وهو من كبائر الذنوب، ومن مات على ذلك وُكِل إلى ظنه والعياذ بالله.
عباد الله كم من دعوةٍ غيَّرَت مجرَى التاريخ من شرٍّ إلى خير، ومن حسنٍ إلى أحسن، قال الله تعالى عن أبينا إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة:129].
وعن أبي أُمامة رضي الله عنه قال: قلت: يا نبي الله ما كان أول بدء أمرك؟ قال: «دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ورأت أمي أنه يخرج منها نور أضاءت منها قصور الشام» [رواه أحمد واللفظ له والحاكم وصححه أحمد شاكر].
فالمسلمون في الخير الدائِم بهذه الدعوة، والأرضُ نالَتها هذه الدعوةُ المبارَكة.
والدعاءُ بنصر الحقِّ ودحضِ الباطل نُصحٌ لله ولكتابه ولرسولِه ولأئمة المسلمين وعامَّتهم، فلا يزهَدُ في الدعاء ولا يهجُرُه إلا من أضاعَ حظَّ نفسِه في الدنيا والآخرة، وأضاعَ ما يجبُ عليه للإسلام والمسلمين، اللهم لا تجعلنا منهم يا رب العالمين.
أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
إن من شرط الدعاء: الإخلاصُ وحُضور القلب، والإلحاحُ على الله، وصِدقُ الالتجاء إلى الربِّ تعالى، قال سبحانه: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر:14]، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه» [رواه الترمذي وأحمد، وحسنه الألباني].
ومن شروط الدعاء: ألا يدعُو بإثمٍ ولا قطيعة رحِم، وألا يعتدِيَ في الدعاء.
ومن أسباب إجابة الدعاء: الثناءُ على الله تعالى بأسمائِه الحُسنى وصفاته العُلى، والصلاةُ على النبي عليه الصلاة والسلام، وفي الحديث: أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم سمِع رجلاً يقول: اللهم إني أسألُك بأني أشهدُ أنك أنت الله لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلِد ولم يُولَد، ولم يكُن له كُفُوًا أحد، فقال: «لقد سألتَ اللهَ بالاسمِ الأعظَم الذي إذا سُئِل به أعطَى، وإذا دُعِيَ به أجاب» [رواه أبوداود والترمذي، وقال: حديثٌ حسن].