خطبة الحظ الوافر

     كل منا يحاول الحصول على الحظ الوافر في الدنيا والآخرة، فما هو الحظ الوافر؟ وكيف نحصل عليه؟

     الحظ الوافر يا عباد الله هو: النصيب التام الكامل، فمن الذي يحوز على هذا النصيب في الدنيا والآخرة؟ أليس هذا ما نسعى كلا إليه؟ ألا تريد يا عبدالله نصيبًا تامًا وكاملا في الدنيا والآخرة؟

     لقد دلنا رسولنا صلى الله عليه وسلم على الطريق حتى ننال هذا النصيب فقال عليه الصلاة والسلام: «من سلك طريقًا يطلبُ فيه علمًا، سلك اللهُ به طريقًا من طرقِ الجنةِ، وإنَّ الملائكةَ لتضعُ أجنحتَها رضًا لطالبِ العِلمِ، وإنَّ العالِمَ ليستغفرُ له من في السماواتِ ومن في الأرضِ، والحيتانُ في جوفِ الماءِ، وإنَّ فضلَ العالمِ على العابدِ كفضلِ القمرِ ليلةَ البدرِ على سائرِ الكواكبِ، وإنَّ العلماءَ ورثةُ الأنبياءِ، وإنَّ الأنبياءَ لم يُورِّثُوا دينارًا ولا درهمًا، ورَّثُوا العِلمَ فمن أخذَه أخذ بحظٍّ وافرٍ» [رواه أبو داود واللفظ له، والترمذي وغيرهم]. أي: بَنَصيبٍ تامٍ وكامِلٍ.

     الفوز الحقيقي في الدنيا والآخرة يا عباد الله مبني على علمك بالله عز وجل وتقواك له، وهذا لا يتم للعبد إلا إذا تعلم العلم، فيتعلم من هو ربه وما هو دينه ومن هو نبيه صلى الله عليه وسلم، ويتعلم كيف يؤدي الفرائض والنوافل، ويتعلم كيف يعبد الله على بصيرة، ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:108]، أي: على علم ويقين. [تيسير الكريم الرحمن]، كل هذا لايأتي هكذا بل بالسعي في تعلم العلم الذي يؤدي بالعبد لنيل الحظ الوافر.

بل إن الله عز وجل لما أراد أن يبين لنا في كتابه من هم أخشى الناس له قال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:28]، أي: إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به؛ لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير العليم الموصوف بصفات الكمال، المنعوت بالأسماء الحسنى كلما كانت المعرفة به أتم والعلم به أكمل، كانت الخشية له أعظم وأكثر. [تفسير القرآن العظيم لابن كثير].

     وبين ترجمان القرآن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما من هو أشد الناس خشية لله عز وجل فقال: العالم بالرحمن من لم يُشرك به شيئًا، وأحل حلاله، وحرم حرامه، وحفظ وصيته، وأيقن أنه مُلاقيه ومُحاسبٌ بعمله. [تفسير القرآن العظيم لابن كثير – فاطر:28].

     وها نحن يا عباد الله في استقبال العام الدراسي، وفي الحقيقة العلم ليس له بداية عام ونهايته، فالعلم يستمر مع صاحبه لايتوقف عنه، والله تعالى دعانا للاستزادة من العلم فقال: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:114]، حتى أن حبيبنا صلى الله عليه وسلم لم يزل يزدادُ من العلم حتى توفاه الله عز وجل، عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ تَابَعَ الوَحْيَ علَى رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ قَبْلَ وَفَاتِهِ، حتَّى تُوُفِّيَ، وَأَكْثَرُ ما كانَ الوَحْيُ يَومَ تُوُفِّيَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ. [رواه مسلم].

     فاحصروا يا رعاكم الله على تعلم العلم، وقوموا بأعمالكم على بصيرة، وتذكروا أنه طريق إلى الجنة كما قال عليه الصلاة والسلام: «من سلك طريقًا يطلبُ فيه علمًا، سلك اللهُ به طريقًا من طرقِ الجنةِ».

و «سَلوا اللهَ عِلمًا نافعًا وتعَوَّذوا باللهِ مِن علمٍ لا ينفعُ» [الصحيحة (1511)]، كماأوصاناصلى الله عليه وسلم.      أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم…

الخطبة الثانية:

     إن ما نشاهده في هذه الأيام من مصاب إخواننا في المغرب أو في ليبيا ليدعونا أولا: أن نحمد الله عز وجل على العافية، ونشكره على نعمة الأمن قال صلى الله عليه وسلم: «من رأى مبتلًى فقال: الحمدُ للهِ الذي عافاني مما ابتلاكَ به، وفضَّلني على كثيرٍ ممن خلق تفضيلًا، لم يُصِبْهُ ذلك البلاءُ» [رواه ابن ماجه والبزار وانظر السلسلة الصحيحة (2737)]، وقال جل وعلا: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:7]، وقال صلى الله عليه وسلم: «مَن أصبحَ مِنكُم آمِنًا في سِرْبِه، مُعافًى في جسَدِهِ، عندَهُ قُوتُ يَومِه، فَكأنَّمَا حِيزَتْ له الدُّنْيا» [رواه الترمذي].

    وثانيًا: أن نستعيذ بالله من شر أنواع البلايا والمصائب، فعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: كانَ مِن دُعَاءِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بكَ مِن زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ» [رواه مسلم].

     فزَوَالِ النعْمَة:أي: ذهابها فنستعيذ من الوقوع في المعاصي المذهبة للنعمة، وتحول العافية: تغير الحال من العافية إلى البلاء والمصاب، وفُجَاءَةِالنِقْمَةَ: أن تقع المصيبة فجأة فلايمكن أن يتدارك العبد نفسه بالتوبة والإنابة إلى الله عز وجل، ونعوذ من جميع سخطه سبحانه وتعالى: أي من جميع ما يُغضبه ويسخطه مِن الأقْوالِ والأفْعالِ والأعْمالِ.

    وثالثًا: أن ندعو لإخواننا أن يرحمهم الله برحمته فيغفر لمن مات منهم وأن يحتسبه عنده شهيدًا، قال صلى الله عليه وسلم: «الشُّهَداءُ خَمْسَةٌ: المَطْعُونُ، والمَبْطُونُ، والغَرِقُ، وصاحِبُ الهَدْمِ، والشَّهِيدُ في سَبيلِ اللَّهِ» [رواه البخاري]، وأن نساهم في إعانتهم على مصابهم فالمؤمنون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. اللهم إنا نعوذ بك من زوال…