خطبة الإجازة سعادة

    في بداية الإجازة الصيفية لابد لكل والد ووالدة من طرح سؤال مهم على نفسه، هل انتهت مسؤوليتنا أمام الله تعالى بانتهاء العام الدراسي؟ أو لازلنا مسؤولين عن أولادنا وسنحاسب يوم القيامة على هذه المسؤولية؟، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:6]، قال الشيخ السعدي رحمه الله: أولادكم ـ يا معشر الوالدين ـ عندكم ودائع، قد وصاكم الله عليهم؛ لتقوموا بمصالحهم الدينية والدنيوية، فتعلمونهم، وتؤدبونهم، وتكفونهم عن المفاسد، وتأمرونهم بطاعة الله، وملازمة التقوى على الدوام…فالأولاد عند والديهم موصى بهم، فإما أن يقوموا بتلك الوصية، وإما أن يضيعوها، فيستحقوا بذلك الوعيد والعقاب. [تيسير الكريم الرحمن].

     عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كُلُّكُمْ رَاعٍ ومَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ؛ فَالإِمَامُ رَاعٍ وهو مَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ، والرَّجُلُ في أهْلِهِ رَاعٍ وهو مَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ، والمَرْأَةُ في بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وهي مَسْؤُولَةٌ عن رَعِيَّتِهَا» [رواه البخاري، ومسلم واللفظ للبخاري].

     والله عز وجل بين لنا أننا لم نخلق عبثًا ولم نترك سدى فقال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:115-116].

فنحن مسؤولون عن أنفسنا وعن أولادنا، ولابد من استغلال أوقاتنا وعدم تضييعها.

   والتوسع في المباحات يؤدي لضياع الواجبات والأوقات، ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ* قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون:112-113].

     وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تزول قدما ابنِ آدمَ يومَ القيامةِ من عندِ ربِّه حتى يُسألَ عن خمسٍ: عن عمُره فيما أفناهُ، وعن شبابِه فيما أبلاهُ، وعن مالِه من أين اكتسَبه وفيما أنفقَه، وماذا عمِل فيما علِم» [رواه الترمذي وحسنه الألباني].

هل نستطيع أن نجيب عن هذه الأسئلة يا عباد الله؟

إنه امتحان شديد وأسئلة عظيمة ثقيلة تحتاج منا إلى أن نُعدَّ لها جوابًا.

    وفي الإجازة نرى بعض أولياء الأمور يتركون أولادهم يتهاونون بالصلاة فيجمعونها من غير عذر شرعي يجيز الجمع! ويؤخرونها من غير عذر شرعي يجيز التأخير! وكل ذلك تحت مرأى ومسمع الوالدين! وبدعوى أنها إجازة!

سهر ونوم وضياع وقت وضياع عمر ثم تحسر على فوات تلك الأوقات!

     قال جل وعلا: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ [النساء:103]، وقال سبحانه: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:238]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّ أولَ ما يُحاسَبُ به العبدُ يومَ القيامةِ من عملِه صلاتُه، فإن صلحَتْ فقد أفلح وأنجح، وإن فسدَتْ فقد خاب وخسر» [صحيح الترغيب (540)]. والعياذ بالله.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه…

الخطبة الثانية:

     ليحرص الوالدان على استفادة أولادهم في هذه العطلة وخير ما يُشغل الإنسان به نفسه وأولاده كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فلو أن الوالدان حرصا على أن يحفظ أولادهم نصف جزء على الأقل في هذه العطلة لكان خيرًا لهم، ولو حرصوا على حفظ بعض أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم القليلة في كلماتها العظيمة في معانيها لكان خيرًا ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: «الْحَياءُ لا يَأتي إِلاّ بِخَيْرٍ» [رواه البخاري]، وقوله: «لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتّى يُحِبَّ َلأخيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» [رواه البخاري]، وقوله: «المُسْلِمُ مَن سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِن لِسانِهِ ويَدِهِ» [رواه البخاري]، وغيرها من أحاديث، تخيل معي لو جعلت لأولادك في كل أسبوع حديثًا ستنتهي هذه الإجازة وقد حفظوا اثنا عشر حديثًا من أحاديث النبي صلى لله عليه وسلم بإذن الله تعالى، فيستفيد في هذه العطلة مع عدم إغفال وقت للعب الأولاد ومُتعتهم فيما يرضي الله عز وجل.

     ولنجعل إجازتنا يا عباد الله إجازة نسعد بها يوم القيامة، قال صلى الله عليه وسلم: «ما جَلَس قومٌ مجلسًا لم يذكروا اللهَ فيه ولم يُصلُّوا على نبيِّهم إلَّا كان عليهم تِرةٌ فإن شاءَ عذَّبَهم وإن شاءَ غفَر لهم» [رواه الترمذي]، فكم نجلس في الإجازة من مجالس مع أهلينا وأولادنا وأقاربنا وجيراننا، فلنجعل هذه المجالس سعادة لنا يوم القيامة بأن نذكر الله فيها ونصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ولانجعلها حسرة وندامة بغفلتنا وانغماسنا في هذه الدنيا الفانية يا عباد الله.

     اللهم لاتجعل الدنيا أكبر همنا ولامبلغ علمنا ولا إلى النار طريقنا واجعل الآخرة هي همنا والجنة مستقرنا وأصلحنا وأهلينا وذرياتنا وجميع المسلمين يا رب العالمين…